الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - فلسفة التوكّل
و في الآية (١٥٩) آل عمران فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
و كذلك يقول القرآن الكريم: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. [١] نستفيد من مجموع هذه الآيات انّ القصد من التوكّل ان لا يحسّ الإنسان بالضعف في مقابل المشكلات العظيمة، بل بتوكّله على قدرة اللّه المطلقة يرى نفسه فاتحا و منتصرا، و بهذا الترتيب فالتوكّل عامل من عوامل القوّة و استمداد الطاقة و سبب في زيادة المقاومة و الثبات. و إذا كان التوكّل يعني الجلوس في زاوية و وضع احدى اليدين على الاخرى، فلا معنى لأن يذكره القرآن بالنسبة للمجاهدين و أمثالهم.
و إذا اعتقد البعض انّ التوكّل لا ينسجم مع التوجه الى العلل و الأسباب و العوامل الطبيعيّة، فهو في خطأ كبير، لانّ فصل العوامل الطبيعيّة عن الارادة الالهيّة يعتبر شركا باللّه، او ليست هذه العوامل تسير بأوامر و مشيئة اللّه؟
نعم إذا اعتقدنا انّ العوامل مستقلّة عن ارادته فهي لا تتناسب مع روح التوكّل. فهل من الصحيح ان نفسّر التوكّل بهذا التّفسير، مع انّ الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي هو راس المتوكّلين لم يغفل من استخدام الخطط الصحيحة و الاستفادة من الفرص المتاحة و انواع الوسائل و الأسباب الظاهرية لتحقيق اهدافه، انّ هذا يثبت انّ التوكّل ليس له مفهوم سلبي.
ثانيا: انّ التوكّل ينجّي الإنسان من التبعية التي هي اصل الذلّ و العبودية، و يمنحه الحرية و الاعتماد على النفس.
«التوكّل» و «القناعة» لهما جذور مشتركة، و فلسفتهما متشابهة، و في نفس الوقت متفاوتة، و لا بأس هنا ان نذكر عدّة روايات في مجال التوكّل و أصله
[١] النحل، ٩٩.