الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - آيات اللّه في السّماء و الأرض و عالم النّبات
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [١].
الجملة بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها لها تفسيران:
١- فكما ترون انّ السّماء مرفوعة بدون عمد (اي انّها في الأصل بلا عمد كما ترونها فعلا).
٢- و الثانية ان (ترونها) صفة للعمد فيكون المعنى: انّ السّماء مرفوعة بعمد و لكن لا ترونها لانّها غير مرئية! و هذا هو الذي يراه الامام علي بن موسى الرضا عليه السّلام،
ففي حديث رواه الحسين بن خالد قال: سألت الامام أبا الحسن الرضا عليه السّلام: ما المقصود في قوله تعالى: وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قال: هذه السّماء لها طرق الى الأرض، فقلت له:
كيف تكون لها طرق الى الأرض في الوقت الذي يقول سبحانه و تعالى: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ فأجابه الامام: «سبحان اللّه، أ ليس اللّه يقول بغير عمد ترونها؟ قلت بلى، فقال: ثمّ عمد و لكن لا ترونها» [٢].
انّ هذه الآية بالرغم من وجود هذا الحديث الذي يفسّرها، فإنّها تكشف عن حقيقة علمية لم تكن معروفة عند نزول الآيات الكريمة، لانّه في ذاك الوقت كانت نظرية «بطليموس» في الهيئة تتحكّم بكلّ قواها في المحافل العلمية في العالم و على أفكار الناس، و طبقا لهذه النظرية فإنّ السّماوات عبارة عن اجرام متداخلة تشبه قشور البصل، و انّها لم تكن معلّقة و بدون عمد، بل كلّ واحدة منها تستند الى الاخرى.
و لكن بعد نزول هذه الآيات بألف سنة تقريبا توصل علم الإنسان الى انّ هذه الفكرة غير صحيحة، فالحقيقة انّ الاجرام السّماوية لها مقرّ و مدار ثابت، و لا
[١] (عمد) على وزن (صمد) «و عمد» على وزن (زحل) و الاثنان جمع عمود، فالاوّل جمع، و الثّاني اسم الجمع (مجمع البيان ذيل الآية).
[٢] الحديث في تفسير البرهان، عن علي بن ابراهيم عن العياشي (البرهان، المجلّد الثّاني، ص ٢٧٨).