الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - تبرئة يوسف من كلّ اتّهام
يوسف خطيئة او ذنبا؟
فتيقّظ فجأة الوجدان النائم في نفوسهنّ، و أجبنه جميعا بكلام واحد- متّفق على طهارته و قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.
امّا امراة العزيز التي كانت حاضرة ايضا، و كانت تصغي بدقّة الى حديث الملك و نسوة مصر، فلم تجد في نفسها القدرة على السكوت، و دون ان تسأل احسّت بأنّ الوقت قد حان لانّ تنزّه يوسف و ان تعوّض عن تبكيت وجدانها و حيائها و ذنبها بشهادتها القاطعة في حقّه، و خاصّة انّها رأت كرم يوسف المنقطع النظير من خلال رسالته الى الملك، إذ لم يعرّض فيها بالطعن في شخصيتها و كان كلامه عامّا و مغلقا تحت عنوان «نسوة مصر».
فكأنّما حدث انفجار في داخلها فجأة و صرخت و قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
ثمّ واصلت امراة العزيز كلامها ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ لانّي عرفت بعد هذه المدّة الطويلة و ما عندي من التجارب أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ.
في الحقيقة (بناء على انّ الجملة المتقدّمة لامراة العزيز كما يقتضيه ظاهر العبارة) فانّها و من اجل اعترافها الصريح بنزاهة يوسف و ما اخطأته في حقّه، تقيم دليلين:
الاوّل: انّ وجدانها، و يحتمل بقايا علاقتها بيوسف، لا تسمح لها ان تستر الحقّ اكثر من هذا، و ان تخون هذا الشاب الطاهر في غيابه.
الثّاني: انّ من مشاهدة الدروس المليئة بالعبر على مرور الزمن تجلّت لها هذه الحقيقة، و هي انّ اللّه يرعى الصالحين و لا يوفّق الخائنين في مرادهم ابدا.
و بهذا بدأت الحجب تنقشع عن عينيها قليلا قليلا .. و تلمس حقيقة الحياة و لا سيّما في هزيمة عشقها الذي صنع غرورها و شخصيتها الخياليّة، و انفتحت