الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - الكذب المفضوح
في شأنه، فأظهر الأبناء طاعتهم لأبيهم و ابدوا احترامهم الفائق و محبتهم العميقة، و تحركوا الى خارج المدينة.
يقال: انّ أباهم ودعهم الى بوابة المدينة ثمّ أخذ منهم يوسف و ضمّه الى صدره و دمعت عيناه، ثمّ أودع يوسف عندهم و فارقهم، و لكن يعقوب كان يودعهم بنظراته، و كان اخوة يوسف لا يقصرون عن مدارة أخيهم يوسف و اظهار عنايتهم به و محبتهم له طالما كانت تلاحظهم عينا أبيهم، و لكن ما ان غاب عنهم أبوهم و اطمأنوا الى انّه لا يراهم، حتى انفجرت عقدتهم و صبوا «جام غضبهم» و حقدهم و حسدهم المتراكم لعدّة سنوات على راس يوسف، فالتفّوا حوله يضربونه بأيديهم و يلتجئ من واحد لآخر و يستجير بهم فلا يجيره احد منهم.
نقرا في رواية انّ يوسف كان يبكي تحت وابل اللكمات و الضربات القاسيّة، و لكن حين أرادوا ان يلقوه في الجبّ شرع بالضحك فجأة ... فتعجب اخوته كثيرا و حسبوا ان أخاهم يظنّ الأمر لا يعدو كونه مزاحا ... و لكنّه رفع الستار عن ضحكه و علّمهم درسا كبيرا إذ قال:- لا انسى انني نظرت- ايها الاخوة- الى عضلات أيديكم القويّة و قواكم الجسدية الخارقة، فسررت و قلت في نفسي: ما عسى ان يخشى و يخاف من الحوادث و الملمّات من كان عنده مثل هؤلاء الاخوة، فاعتمدت عليكم و ربطت قلبي بقواكم، و الآن و قد أصبحت أسيرا بين أيديكم و استجير بكم من واحد للآخر فلا أجار، و قد سلطكم اللّه عليّ لا تعلم هذا الدرس، و هو الّا اعتمد و اتوكّل على احد سواه ... حتى و لو كانوا اخوتي.
و على كل حال فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ [١].
[١] في العبارة المتقدمة حذف جواب «لما» و التقدير كما يلي: فلما ذهبوا به و اجمعوا ان يجعلوه في غيابة الجبّ عظمت فتنتهم (تفسير القرطبي) و لعل هذا الحذف اقتضى لعظم هذه الحادثة المؤلمة ان يسكت عنه المتكلم، و هو بنفسه من فنون البلاغة العربية (تفسير الميزان).