الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣ - ١- هل انّ السعادة و الشقاوة ذاتيان
يَأْتِ يكون فيه جمع من الناس سعداء من خلال اعمالهم، و جمع آخر أشقياء بسبب اعمالهم، و اللّه سبحانه يعلم من الذي اختار طريق السعادة باختياره، و بإرادته، و من الذي خطا خطوات في مسير الشقاء بإرادته. و هذا المعنى يعطي نتيجة معاكسة تماما لما ذكره الرازي حيث انّ الناس إذا كانوا مجبورين على هذا الطريق فإنّ علم اللّه سيكون جهلا (و العياذ باللّه)، لانّ الجميع اختاروا طريقهم و انتخبوه بإرادتهم و رغبتهم.
الشاهد في الكلام انّ الآيات المتقدمة تتحدث عن قصص الأقوام السابقين، حيث عوقبت عقابا جماعة عظيمة منهم- بسبب ظلمهم و انحرافهم عن جادة الحق و العدل، و بسبب التلوث بالمفاسد الاخلاقية الشديدة، و الوقوف بوجه الأنبياء و القادة الإلهيين- أليما في هذه الدنيا ... و القرآن يقص علينا هذه القصص من اجل إرشادنا و تربيتنا و بيان طريق الحق من الباطل، و فصل مسير السعادة عن مسير الشقاء.
و إذا كنّا- أساسا- كما يتصوّر الفخر الرازي و من على شاكلته- محكومين بالسعادة و الشقاء الذاتيين، و نؤخذ دون ارادتنا بالسيئات او الصالحات، فإنّ «التعليم و التربية» سيكونان لغوا و بلا فائدة ... و مجيء الأنبياء و نزول الكتب السّماويّة و النصيحة و الموعظة و التوبيخ و الملامة و المؤاخذة و السؤال و المحاكمة و الثواب ... كل ذلك يعدّ غير ذي فائدة، او يعدّ ظلما.
الأشخاص الذين يرون الناس مجبورين على عمل الخير او الشرّ، سواء كان هذا الجبر جبرا الهيا، او جبرا طبيعيا، او جبرا اقتصاديا، او جبرا اجتماعيا متطرفون في عقيدتهم هذه في كلامهم فحسب، او في كتاباتهم، و لكنّهم حتى أنفسهم لا يعتقدون- عند العمل- بهذا الاعتقاد، و لهذا فلو وقع تجاوز على حقوقهم فانّهم يرون المتجاوز مستحقا للتوبيخ و الملامة و المحاكمة و المجازاة ...
و ليسوا مستعدين ابدا للإغضاء عنه بحجة انه مجبور على هذا العمل و انّ من