الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٠ - اليوم الذي تشخّص فيه الأبصار
و هذا في الواقع جواب لأولئك الذين يقولون: إذا كان لهذا العالم اله عادل فلما ذا يترك الظالمين و حالهم؟ هل هو غافل عنهم ام لا يستطيع ان يمنعهم و هو يعلم بظلمهم؟
فيجيب القرآن الكريم على ذلك بأنّ اللّه ليس غافلا عنهم ابدا، لانّ عدم عقابهم مباشرة هو انّ هذا العالم محلّ الامتحان و الاختبار و تربية الناس، و هذا لا يتمّ الّا في ظلّ الحرية، و سوف يأتي يوم حسابهم إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ.
«تشخص» من مادّة «الشخوص» بمعنى توقّف العين عن الحركة و النظر الى نقطة بدهشة.
«مهطعين» من مادّة «إهطاع» بمعنى رفع الرقبة، و يعتقد البعض انّها بمعنى «السرعة» و قال آخرون: تعني «النظر بذلّة و خشوع». و لكن بالنظر الى الجمل الاخرى يكون المعنى الاوّل اقرب الى الصحّة.
«مقنعي» من مادّة «الاقناع» بمعنى رفع الراس عاليا.
و مفهوم جملة لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ لا يقدرون على ان يطرفوا من شدّة الهول، و كأنّ أعينهم كأعين الأموات عاطلة عن العمل! و جملة أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ بمعنى قلوبهم خالية و مضطربة بحيث ينسون كلّ شيء حتّى أنفسهم و فقدت قلوبهم و أنفسهم كلّ ادراك و علم، و فقدوا كلّ قواهم.
انّ بيان هذه الصفات الخمس: تشخص الأبصار، مهطعين، مقنعي رؤوسهم، لا يرتدّ إليهم طرفهم، افئدتهم هواء، صورة بليغة لهول و شدّة ذلك اليوم على الظالمين الذين كانوا يستهزئون بكلّ شيء، و أصبحوا في هذا اليوم لا يستطيعون حتّى تحريك أجفان أعينهم.
و لكي لا يشاهدوا هذه المناظر المفجعة ينظرون الى الأعلى فقط، فهؤلاء كانوا يعتقدون بكمال عقولهم و يعدّون الآخرين من الحمقى، فأصبحوا اليوم