الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - الايّام الحسّاسة في الحياة
الآية الاولى من هذه المجموعة نفس الموضوع، لكن في بعد خاص و هو انّ دعوة الأنبياء و كتبهم السّماوية نزلت بلسان اوّل قوم بعثوا إليهم. يقول تعالى:
وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ.
لانّ الأنبياء يرتبطون في الدرجة الاولى مع قومهم، و اوّل نور الوحي يشعّ من بينهم، و اوّل الصحابة و الأنصار ينتخبون منهم، لذلك فإنّ الرّسول يجب ان يحدّثهم بلغتهم و بلسانهم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.
و في الحقيقة فإنّ هذه الجملة تشير الى انّ دعوة الأنبياء لا تنعكس في قلوب اتباعهم بأسلوب مرموز و غير معروف، بل كانت توضّح لهم من خلال التبيين و التعليم و التربية و بلسانهم الرائج.
ثمّ يضيف القرآن الكريم بعد ان بيّن لهم الدعوة الالهيّة فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فليست الهداية و الضلال من عمل الأنبياء، بل عملهم الإبلاغ و التبيين، اللّه سبحانه و تعالى هو الموجّه و الهادي الحقيقي لعباده.
و لكي لا يتصوّر احد انّ هذا القول بمعنى الجبر و سلب الحريّات، فيضيف القرآن مباشرة وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و بمقتضى عزّته و قدرته فإنّه قادر على كلّ شيء، و لا احد له قدرة على المقاومة في مقابل ارادته تعالى، و لكن بمقتضى حكمته لا يهدي و لا يضلّ أحدا بدون سبب و دليل، بل الخطوة الاولى تبدا من قبل العباد و بكامل الحرية في السير الى اللّه، ثمّ يشعّ نور الهداية و فيض الحقّ في قلوبهم، كما في سورة العنكبوت الآية (٦٩) وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.
و كذلك حال الذين تاهوا في وادي الضلالة و حرموا من فيض الهداية، فهو نتيجة لتعصّبهم الأعمى و محاربتهم للحقّ، و غرقهم في الشّهوات، و تلوّثهم بالظلم و الجور. كما يقول تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، [١] و يقول
[١] غافر، ٣٤.