الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - الخروج من الظّلمات الى النّور
و لكي يبيّن اكثر ما هو النّور يقول تعالى: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [١] فعزّته دالّة على قدرته، لانّه لا يستطيع احد ان يغلبه، و الحميد دالّة على نعمه و مواهبه غير المتناهية، لانّ الحمد و الثناء دائما تكون في مقابل النعم و المواهب.
الآية الثانية و لكي تعرّف اللّه بصفاته، تبيّن درسا من دروس التوحيد حيث تقول: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [٢] فله كلّ شيء، لانّه خالق جميع الموجودات، و لهذا السبب هو القادر و العزيز و واهب النعم و الحميد.
ثمّ يتطرّق في نهاية الآية الى مسألة المعاد (بعد ان ذكر المبدإ) فتقول الآية:
وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ.
ثمّ يعرّف القرآن الكريم الكفّار في الآية الاخرى، و يذكر لهم ثلاث صفات كيما نستطيع ان نعرّفهم من اوّل وهلة، يقول تعالى اوّلا: الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [٣] فهم يضحّون بالايمان و الحقّ و العدالة و الشرف التي هي من خصائص محبّي الآخرة، من اجل منافعهم الشخصيّة و شهواتهم.
ثمّ يبيّن تعالى انّ هؤلاء غير قانعين بهذا المقدار من الضلال، بل يسعون في ان يضلّوا الآخرين وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فهم في الواقع يوجدون الموانع المختلفة في طريق الفطرة الالهيّة فيزيّنون الهوى، و يدعون الناس الى الذنوب، و يخوّفونهم من الصدق و الإخلاص.
و لا يقتصر عملهم على ذلك فحسب، بل وَ يَبْغُونَها عِوَجاً ثمّ يحاولون ان يصبغوا الآخرين بصبغتهم، و يسعون في ان يحرفوا السبيل للوصول الى هدفهم من خلال نشر الخرافات و ابتداع السنن الخبيثة أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ.
[١] «الى صراط اللّه» في الواقع بدل من «الى النّور» فالمقصود من الهداية الى النّور هو الهداية الى صراط العزيز الحميد، و «كتاب أنزلناه» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب أنزلناه.
[٢] (اللّه): بالكسر لانّه بدل من (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
[٣] يقول الراغب في مفرداته: استحبّ الكفر على الايمان، و الاستحباب هو سعي الإنسان لان يحبّ شيئا، و إذا ما تعدّى ب (على) فسوف يصرف عنه المعنى المتقدّم كما في أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى.