الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٠ - الخروج من الظّلمات الى النّور
الاثنين، اي بين الحروف المقطّعة و القرآن، و لعلّ هذه العلاقة هي نفسها التي ذكرناها في بداية سورة البقرة، فاللّه سبحانه و تعالى يريد ان يوضّح من خلال هذا البيان انّ هذا الكتاب السّماوي العظيم المتعهّد لقيادة الانسانيّة يتكوّن من مواد بسيطة تسمّى بحروف الالفباء، و هذه تشير الى اهميّة هذا الاعجاز، حيث يوجد اصدق بيان من ابسط بيان.
و على ايّة حال فبعد ذكر الحروف (الف لام راء) يقول تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.
في الواقع انّ جميع الاهداف التربوية و الانسانية، المعنوية و المادية من نزول القرآن قد جمعت في هذه الجملة (الخروج من الظّلمات الى النّور) اي الخروج من ظلام الجهل الى نور المعرفة، و من ظلام الكفر الى نور الايمان، من ظلم الظالمين الى نور العدالة، و من الفساد الى الصلاح، و من الذنوب الى الطهارة و التقوى، و من التفرقة و النفاق الى نور الوحدة.
و من الطريف انّ «الظّلمات» هنا (كما في بعض السور الاخرى) جاءت بصيغة الجمع و «النّور» بصيغة المفرد، و هذه اشارة الى انّ كلّ الحسنات و الطيّبات و الايمان و التقوى لها حالة واحدة في ظلّ التوحيد و نوره، فهي مترابطة و متّحدة فيما بينها، فتصنع مجتمعا واحدا متّحدا و طاهرا من كلّ جهة.
بينما الظّلمات تعني التشتّت و تفرقة الصفوف، و حتّى الطواغيت و المذنبين و المفسدين و المنحرفين في مسيرتهم الانحرافية نراهم غير متوحّدين غالبا، و في حالة حرب فيما بينهم.
و من هنا لمّا كان مصدر كلّ الخير هي الذات الالهيّة المقدّسة، و الشرط الأساس لدرك التوحيد هو الالتفات الى هذه الحقيقة، فإنّه يضيف بلا فاصلة بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.