الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - الأبواب الثّمانية للجنّة و صفات اولي الألباب
للبحث السابق.
في الآية الاولى من هذه المجموعة استفهام انكاري: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى.
و هذا وصف رائع، فهو لم يقل: أ فمن يعلم انّ هذا القرآن على الحقّ كمن لا يعلم؟ بل قال: كمن هو أعمى؟ و هذه اشارة لطيفة الى انّه من المحال ان لا يعلم احد بهذه الحقيقة الّا ان يكون أعمى القلب، فكيف يمكن لإنسان يمتلك عينا سليمة و لا يرى نور الشمس، و هذا القرآن كالشمس. و لذلك يجيء في نهاية الآية قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
«الألباب» جمع لبّ بمعنى جوهر الشيء، و يقابل اولي الألباب اولوا الجهل و العمى.
انّ هذه الآية- و كما يذهب اليه بعض المفسّرين- تحثّ الناس على طلب العلم و محاربة الجهل، لانّها تعدّ الفرد الفاقد للعلم كمن هو أعمى. ثمّ بيّن سيرة اولي الألباب من خلال ذكر صفاتهم الحميدة، و اوّل ما أشار القرآن اليه وفاؤهم بالعهد و عدم نقضهم له و الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ.
انّ «عهد اللّه» له معنى واسع، و يشمل العهود الفطرية التي عاهدوا بها ربّهم كالفطرة على التوحيد و حبّ الحقّ و العدالة، و المواثيق العقليّة التي يدركها الإنسان من خلال التفكير و التعقّل لعالم الوجود، و المبدإ و المعاد، و تشمل كذلك العهود الشرعيّة، و هي ما عاهدوا الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليه من الطاعة للأوامر الالهيّة و ترك المعاصي و الذنوب.
و تشمل هذه المجموعة كذلك الوفاء بالعهد بين الافراد، لانّ اللّه سبحانه و تعالى اوصى بها، بل تدخل ضمن الوفاء الشرعي و الميثاق العقلي.
الصفة الثّانية من صفات اولي الألباب هي وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.