الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - وصف دقيق لمنظر الحقّ و الباطل
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها تتقارب السواقي الصغيرة فيما بينها، و تتكوّن الأنهار و تتّصل مع بعضها البعض، فتسيل المياه من سفوح الجبال العظيمة و الوديان و تجرف كلّ ما يقف امامها، و في هذه الأثناء يظهر الزّبد و هو ما يرى على وجه الماء كرغوة الصابون من بين أمواج الماء حيث يقول القرآن الكريم: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً.
«الرابي» من «الربو» بمعنى العالي او الطافي، و الربا بمعنى الفائدة مأخوذ من نفس هذا الأصل.
و ليس ظهور الزبد منحصرا بهطول الأمطار، بل وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ [١] اي الفلزات المذابة بالنّار لصناعة أدوات الزينة منها او صناعة الوسائل اللازمة في الحياة.
بعد بيان هذا المثال بشكله الواسع لظهور الزبد ليس فقط في الماء بل حتّى للفلزات و للمتاع، يستنتج القرآن الكريم كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ ثمّ يتطرّق الى شرحه فيقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.
فأمّا الزبد الذي لا فائدة فيه فيذهب جفاء و يصير باطلا متلاشيا، و امّا الماء الصافي النقي المفيد فيمكث في الأرض او ينفذ الى الاعماق و تتكوّن منه العيون و الآبار تروي العطاش، و تروي الأشجار لتثمر، و الازهار لتتفتّح، و تمنح لكلّ شيء الحياة.
و في آخر الآية- للمزيد من التأكيد في مطالعة هذه الأمثال- يقول تعالى:
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ.
[١] تشير هذه الآية الى الافران التي تستعمل لصهر الفلزان، فهذه الافران تتميّز بوجود النّار من تحتها و من فوقها يعني نار تحت الفلز و نار فوقه، و هذه من أفضل انواع الافران حيث تحيط بها النّار من كلّ جانب.