الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - اصدق الدروس و العبر
قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى.
هؤلاء الرّسل هم كباقي الناس يعيشون في المدن و القرى، و يتجوّلون بين الناس و يشعرون بآلامهم و احتياجاتهم و مشاكلهم.
فالوصف هنا ب مِنْ أَهْلِ الْقُرى بالاضافة الى ما تشمله القرية في اللغة من معنى المدينة او الرّيف في مقابل «البدو» التي تطلق على اهل الصحراء، فإنّها قد تشير الى انّ أنبياء اللّه لم ينهضوا من بين سكنة الصحراء- كما صرّح بذلك بعض المفسّرين- لانّ سكّان البادية يتّصفون بالجهل و عدم المعرفة و قلوبهم قاسية و يمتازون بقلّة معلوماتهم عن الحياة و متطلّباتها.
صحيح انّ اكثر سكّان ارض الحجاز كانوا من البدو، و لكن الرّسول من اهل مكّة التي تعتبر مدينة كبيرة نسبيّا، و صحيح ايضا انّ مدينة كنعان لو قيست بأرض مصر التي كان يوسف يحكم فيها لكانت صغيرة و غير مهمّة و لذلك كان يعبّر عنها بالبدو. و لكن نحن نعلم انّ يعقوب و أبناءه لم يكونوا من اهل البادية ابدا، فهم كانوا يعيشون في هذه المدينة الصغيرة كنعان.
ثمّ يبيّن القرآن الكريم: إذا ما أراد هؤلاء ان يعلموا عاقبة مخالفتهم لدعوتك التي هي الدعوة الى اللّه فإنّ عليهم ان يسيروا ليروا آثار السابقين: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
انّ السير و التجوال في الأرض لمشاهدة آثار الماضين و خراب دورهم و مدنهم بسبب العذاب الالهي، أفضل درس لهم، درس حي و ملموس للجميع.
وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ.
لماذا؟ لانّ الدنيا دار مليئة بالمصائب و الآلام و غير باقية، امّا الآخرة فدار خالدة و خالية من الآلام و العذاب.
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ.