الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٣ - عاقبة امر يوسف و أبيه و اخوته
الى يعقوب، ارتفعت اهازيج في كنعان. فالبيت الذي لم يخلع اهله عنهم ثياب الحزن و الاسى لسنين عديدة، أصبح غارقا في السرور و الحبور، فلم يكتموا رضاهم عن هذه النعم الالهيّة ابدا.
و الآن ينبغي على اهل هذا البيت- وفقا لوصيّة يوسف- ان يتحرّكوا و يتّجهوا نحو مصر، و تهيّأت مقدّمات السفر من جميع النواحي، و ركب يعقوب راحلته و شفتاه رطبتان بذكر اللّه و تمجيده، و قد منحه عشق يوسف قوّة و عزما الى درجة و كأنّه عاد شابا من جديد.
و هذا السفر على خلاف الاسفار السابقة- التي كانت مقرونة لدى اخوة يوسف بالقلق و الحزن- كان خاليا من ايّة شائبة من شوائب الهمّ و الغمّ. و حتّى لو كان السفر بنفسه متعبا، فهذا التعب لم يكن شيئا ذا بال قبال ما يهدفون اليه في مسيرهم هذا.
كانوا يطوون الليالي و الايّام ببطء، لانّ الشوق كان يحيل كلّ دقيقة الى يوم او سنة، و لكن انتهى كلّ شيء و لاحت معالم مصر و أبنيتها من بعيد بمزارعها الخضر و أشجارها الباسقة السامقة و عماراتها الجميلة.
الّا انّ القرآن الكريم- كعادته دائما- حذف هذه المقدّمات التي يمكن ان تدرك بأدنى تفكّر و تأمّل، فقال في هذا الشأن: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ.
و كلمة «آوى»- كما يقول الراغب في مفرداته- تعني في الأصل انضمام شيء الى شيء آخر، و ضمّ يوسف أبويه اليه كناية عن احتضانهما و معانقتهما.
و أخيرا تحقّقت احلى سويعات الحياة ليعقوب، و في هذا اللقاء و الوصال الذي تمّ بين يعقوب و يوسف بعد سنين من الفراق، مرّت على يعقوب و يوسف لحظات لا يعلم اللّه عواطفها في تلك اللحظات الحلوة، و ايّة دموع انسكبت من عينيهما من الفرح.