الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - و أخيرا شملتهم رعاية اللّه و لطفه
الضمير بخشونة و قساوة بالغين بحيث كانوا يقولون له مرّة: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ و هنا قالوا له: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ لكنّهم كانوا غافلين عن الحقيقة التي كان يتحلّى بها يعقوب و عن صفاء قلبه، و يتصوّرون انّ قلب يعقوب كقلوبهم القاسية المظلمة و انّه لا يطّلع على حقائق الأمور ماضيها و مستقبلها.
و تمضي الليالي و الايّام و يعقوب في حالة الانتظار ... الانتظار القاسي الذي يستبطن السرور و الفرح و الهدوء و الاطمئنان، الّا انّ المحيطين به كانوا مشغولين عن هذه الأمور لاعتقادهم بأنّ قضيّة يوسف مختومة و الى الأبد.
و بعد عدّة ايّام من الانتظار- و التي لا يعلم الّا اللّه كيف قضاها يعقوب- ارتفع صوت المنادي معلنا عن وصول قافلة كنعان من مصر، لكن في هذه المرّة- و خلافا للمرّات السابقة- دخل أولاد يعقوب الى المدينة فرحين مستبشرين، و توجّهوا مسرعين الى بيت أبيهم، و قد سبقهم ال (بشير) الذي بشّر يعقوب بحياة يوسف و القى قميص يوسف على وجهه.
امّا يعقوب الذي أضعفت المصائب بصره و لم يكن قادرا على رؤية القميص فبمجرّد ان احسّ بالرائحة المنبعثة من القميص شعر في تلك اللحظة الذهبية بأنّ نورا قد شعّ في جميع ذرّات وجوده و انّ السّماء و الأرض مسروران و نسيم الرحمة يدغدغ فؤاده و يزيل عنه الحزن و الألم، شاهد الجدران و كأنّها تضحك معه، و احسّ يعقوب بتغيّر حالته، و فجأة راى النّور في عينيه و احسّ بأنّهما قد فتحتا و مرّة اخرى راى جمال العالم، و القرآن الكريم يصف لنا هذه الحالة بقوله:
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً.
هذه الحالة التي حصلت ليعقوب اسالت دموع الفرح من عيون الاخوة و الأهل، و عند ذلك خاطبهم بقوله: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
هذه المعجزة الغريبة، جعلت الأولاد يعودون الى أنفسهم و يتساءلون عنها و يفكّرون في ماضيهم الأسود المليء بالاخطاء و الذنوب، و ما اعتورهم من