الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - و أخيرا شملتهم رعاية اللّه و لطفه
لكن- مقارنا مع حركة القافلة من مصر- حدث في بيت يعقوب حادث غريب بحيث اذهل الجميع و صار مثارا للعجب و الحيرة، حيث نشط يعقوب و تحرّك من مكانه و تحدّث كالمطمئن و الواثق بكلامه قال: لو لم تتحدّثوا عنّي بسوء و لم تنسبوا كلامي الى السفاهة و الجهل و الكذب لقلت لكم: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ فإنّي احسّ بأنّ ايّام المحنة و الآلام سوف تنصرم في القريب العاجل، و انّه قد حان وقت النصر و اللقاء مع الحبيب، و ارى انّ آل يعقوب قد نزعوا ثوب العزاء و المصيبة و لبسوا لباس الفرح و السرور- لكن لا تصدّقون كلامي وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ [١].
و المستفاد من قوله تعالى (فصلت) انّه بمجرّد ان تحرّكت القافلة من مصر احسّ يعقوب بالأمر و تغيّرت أحواله.
امّا الذين كانوا مع يعقوب- و هم عادة أحفاده و ازواج أولاده و غيرهم من الأهل و العشيرة- فقد استولى عليهم العجب و خاطبوه بوقاحة مستنكرين: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أ ليس هذا برهانا واضحا على ضلالك حيث مضت سنين طويلة على موت يوسف لكنّك لا زلت تزعم انّه حي، و أخيرا تقول: انّك تشمّ رائحته من مصر؟! اين مصر و اين الشام و كنعان؟! و هذا دليل على بعدك عن عالم الواقع و انغماسك في الأوهام و الخيالات لكنّك قد ضللت منذ مدّة طويلة، الم تقل لاولادك قبل فترة اذهبوا الى مصر و تحسّسوا عن احوال يوسف! يظهر من هذه الآية الشريفة انّ المقصود ب (الضلال) ليس الانحراف في العقيدة، بل الانحراف في تشخيص حقيقة حال يوسف و القضايا المتعلّقة به، لكن يستفاد من هذه التعابير انّهم كانوا يتعاملون مع هذا النّبي الكبير و الشيخ المتيقّظ
[١] (تفنّدون) من مادّة (الفند) على زنة (الرمد) و معناها العجز الفكري و السفاهة، و مضى بعض اللغويين الى انّ معناها الكذب و معناها في الأصل الفساد. فبناء على ذلك فإنّ جملة (لو لا ان تفنّدون) معناها إذا لم تتّهموني بالسفاهة و فساد العقل.