الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - اليأس علامة الكفر
امّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى ان يرى اخوته في حال الخجل و الندامة- خاصّة في هذه اللحظات الحسّاسة و بعد انتصاره عليهم- او لعلّه أراد ان يدفع عن أذهانهم ما قد يتبادر إليها من احتمال ان ينتقم منهم، فخاطبهم بقوله: قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [١] اي انّ العتاب و العقاب مرفوع عنكم اليوم، اطمئنوا و كونوا مرتاحي الضمير و لا تجعلوا للآلام و المصائب السابقة منفذا الى نفوسكم، ثمّ لكي يبيّن لهم انّه ليس وحده الذي أسقط حقّه و عفا عنهم، بل إنّ اللّه سبحانه و تعالى ايضا عفا عنهم حينما أظهروا الندامة و الخجل قال لهم: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اي انّ اللّه سبحانه و تعالى قد قبل توبتكم و عفا عنكم لانّه ارحم الراحمين.
و هذا دليل على علو قدر يوسف و غاية فضله حيث انّه لم يعف عن سيّئات اخوته فحسب، بل رفض حتّى ان يوبّخ و يعاتب اخوته- فضلا عن ان يجازيهم و يعاقبهم- اضافة الى هذا فإنّه طمأنهم على انّ اللّه سبحانه و تعالى رحيم غفور و انّه تعالى سوف يعفو عن سيّئاتهم، و استدلّ لهم على ذلك بأنّ اللّه سبحانه و تعالى هو ارحم الراحمين.
و هنا تذكر الاخوة مصيبة اخرى قد المّت بعائلتهم و الشاهد الحي على ما اقترفوه في حقّ أخيهم الا و هو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزنا و فراقا على يوسف، امّا يوسف فإنّه قد وجد لهذه المشكلة حلا حيث خاطبهم بقوله:
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ثمّ طلب منهم ان يجمعوا العائلة و يأتوا بهم جميعا وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ.
اخطأ عن سهو.
[١] «تثريب» أصله من مادّة (ثرب) و هو شحمة رقيقة تغطّي المعدة و الأمعاء، و التثريب بمعنى رفع هذا الغطاء، ثمّ بمعنى العتاب و الملامة فكان المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب (راجع القاموس و مفردات الراغب و تفسير الرازي و روح المعاني).