الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - اليأس علامة الكفر
يتصوّروا انّه يمكن ان يكون أخوهم يوسف قد ارتقى منصب الوزارة و صار عزيزا لمصر، اين يوسف و اين الوزارة و العزّة؟! لكنّهم تجرّأوا أخيرا و سألوه مستفسرين منه قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ.
كانت هذه الدقائق أصعب اللحظات على الاخوة، حيث لم يكونوا يعرفون محتوى اجابة العزيز! و انّه هل يرفع الستار و يظهر لهم حقيقته، ام انّه سوف يعتقد بأنّهم مجانين حيث ظنّوا هذا الظنّ.
كانت اللحظات تمرّ بسرعة و الانتظار الطويل يثقل على قلوبهم فيزيد في قلقهم، لكن يوسف لم يدع اخوته يطول بهم الانتظار و رفع الحجاب بينه و بينهم و اظهر لهم حقيقة نفسه و قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي لكن لكي يشكر اللّه سبحانه و تعالى على ما أنعمه من جميع هذه المواهب و النعم، و لكي يعلّم اخوته درسا آخر من دروس المعرفة قال: إنّه قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
لا يعرف احد كيف مرّت هذه اللحظات الحسّاسة على الاخوة كما لا يعرف احد مدى انفعالهم و ما خامرهم من السرور و الفرح و كيف تعانقوا و احتضنوا أخاهم و الدموع الغزيرة التي ذرفوها و ذلك حينما التقوا بأخيهم و بعد عشرات السنين من الفراق، لكنّهم في كلّ الأحوال كانوا لا يطيقون النظر إلى وجه أخيهم يوسف لعلمهم بالذنب و الجريمة التي اقترفوها في حقّه، فترقّبوا اجابة يوسف و انّه هل يغفر لهم إساءتهم اليه و يعفو عن جريمتهم ام لا؟ فابتدءوا مستفسرين بقولهم: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا [١] اي انّ اللّه سبحانه و تعالى قد فضّلك علينا بالعلم و الحلم و الحكومة وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [٢].
[١] (آثرك) أصله من (الإيثار) و في الأصل بمعنى البحث عن اثر الشيء، و بما انّه يقال للفضل و الخير: اثر، فقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على الفضيلة و العلو، فبناء على هذا يكون معنى قوله آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا اي انّ اللّه سبحانه و تعالى قد أكرمك و فضّلك علينا لما قمت به من الأعمال الخيّرة.
[٢] يرى الفخر الرازي في تفسيره انّ الفرق بين الخاطئ و المخطئ هو انّ الخاطئ يقال لمن تعمّد الخطأ، و المخطئ لمن