الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - اليأس علامة الكفر
و عجز عن ان يخفي نفسه بغطاء السلطة و أجبره على كشف نفسه لإخوته).
و في تلك اللحظة، و بعد ان مضت ايّام الامتحان الصعب- و كان قد اشتدت محنة الفراق على يوسف و ظهرت عليه آثار الكآبة و الهمّ، أراد ان يعرّف نفسه لإخوته فابتدرهم بقوله: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ.
لاحظوا عظمة يوسف و علوّ نفسه حيث يسألهم اوّلا عن ذنبهم لكن بهذه الكناية اللطيفة يقول: ما فَعَلْتُمْ و ثانيا يبيّن لهم طريقة الاعتذار و انّ ما ارتكبوه في حقّ إخوتهم انّما صدر عن جهلهم و غرورهم، و انّه قد مضى ايّام الصبى و الطفولة و هم الآن في دور الكمال و العقل! كما انّه يفهم من الآية الشريفة انّ يوسف لم يكن وحده الذي ابتلي بإخوته و معاملتهم السيّئة، بل انّ بنيامين ايضا كان يقاسي منهم ألوان العذاب، و لعلّه قد شرح لأخيه يوسف في الفترة التي قضاها في مصر، جانبا ممّا عاناه تحت أيديهم، و يستفاد من بعض الرّوايات انّ يوسف حينما استفسر عمّا فعلوه معه و مع أخيه ختم استفساره بابتسامة عريضة ليدفع عن أذهانهم احتمال انّه سوف ينتقم منهم فظهرت لإخوته أسنانه الجميلة و لاحظوا و تذكّروا الشبه بينه و بين أسنان أخيهم يوسف [١].
امّا هم، فإنّهم حينما لاحظوا هذه الأمور مجتمعة، و شاهدوا انّ العزيز يتحدّث معهم و يستفسرهم عمّا فعلوه بيوسف، تلك الأعمال التي لم يكن يعلمها احد غيرهم الّا يوسف.
و من جهة اخرى ادهشهم يوسف و ما اصابه من الوجد و الهياج حينما استلم كتاب يعقوب، و احسّوا بعلاقة وثيقة بينه و بين صاحب الرسالة.
و ثالثا كلّما أمعنوا النظر في وجه العزيز و دقّقوا في ملامحه، لاحظوا الشبه الكبير بينه و بين أخيهم يوسف .. لكنّهم في نفس الوقت لم يدر بخلدهم و لم
[١] مجمع البيان في ذيل الآية الشريفة.