الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - رجوع الاخوة الى أبيهم خائبين
ثمّ أمرهم الأخ الأكبر ان يرجعوا الى أبيهم و يخبروه بما جرى عليهم ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ و هذه شهادة نشهدها بمقدار علمنا عن الواقعة حيث سمعنا بفقد صواع الملك، ثمّ عثر عليه عند أخينا، و ظهر للجميع انّه قد سرقها وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا و لكن نحن لا نعلم الّا ما شهدناه بأعيننا و هذا غاية معرفتنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ.
و قد يرد احتمال في تفسير هذه الآية، فلعلّهم بقولهم: وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ ...
أرادوا ان يخاطبوا أباهم بأنّنا و ان قطعنا عند الايمان و العهود المغلّظة على ان نرجع أخانا سالما، لكنّنا لا نعرف من الأمور الّا ظواهرها و من الحقائق الّا بعضها، فغيب الأمور عند اللّه سبحانه و لم نكن نتصوّر ان يسرق أخونا.
ثمّ أرادوا ان يزيلوا الشكّ و الريبة عن قلب أبيهم فقالوا يمكنك ان تتحقّق و تسأل من المدينة التي كنّا فيها وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [١] و من القافلة التي سافرنا معها الى مصر و رجعنا معها، حيث انّ فيها أناسا يعرفونك و تعرفهم، و بمقدورك ان تسألهم عن حقيقة الحال و واقعها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [٢] و في كلّ الأحوال كن على ثقة بأنّنا صادقون و لم نقص عليك سوى الحقيقة و الواقع وَ إِنَّا لَصادِقُونَ.
يستفاد من مجموع هذه الكلمات و الحوار الذي دار بين الأولاد و الأب انّ قضيّة سرقة بنيامين كانت قد شاعت في مصر، و انّ جميع الناس علموا بأنّ احد افراد العير و القافلة القادمة من كنعان حاول سرقة صواع الملك، لكن موظفي الملك تمكّنوا بيقظتهم من العثور عليها و القبض على سارقها، و لعلّ قول الاخوة
[١] (القرية) لا تطلق عند العرب على القرى و الأرياف خاصّة، بل يشمل جميع الأرياف و المدن و القرى، الصغيرة منها و الكبيرة- و المقصود منها في الآية هي مصر.
[٢] «عير» كما يقول الراغب في المفردات- تعني الجماعة التي تصحب معها الإبل و الدواب المحمّلة بالغذاء، اي يطلق على المجموع «عير» فعلى هذا يكون السؤال منهم ممكنا لانّ الكلمة تشمل الأشخاص ايضا و لا حاجة للتقدير، و لكن بعض المفسّرين ذهب الى انّ «العير» يطلق على الدواب فقط فلا بدّ من التقدير كما هو الحال في «القرية».