الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦ - رجوع الاخوة الى أبيهم خائبين
ايّاهم فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا اي انّهم بعد ان يئسوا من عزيز مصر او من انقاذ أخيهم، ابتعدوا عن الآخرين و اجتمعوا في جانب و بداوا بالتشاور و النجوى فيما بينهم.
قوله تعالى (خلصوا) بمعنى الخلوص، و هو كناية عن الابتعاد عن الآخرين و الاجتماع في جلسة خاصّة، امّا قوله تعالى «نجيّا» فهو من مادّة (المناجاة) و أصله من (نجوة) بمعنى الربوة و الأرض المرتفعة، فباعتبار انّ الربوات منعزلة عن اراضيها المجاورة، سمّيت الجلسات الخاصّة البعيدة عن عيون الغرباء و الحديث في السرّ قياسا عليها ب (النجوى) فإذا كلمة (النجوى) تطلق على الحديث السرّي و الخاص سواء كانت في جلسة خصوصية او في محاورة خاصّة بين اثنين لا يتعدّى سمعهما.
ذهب كثير من المفسّرين الى انّ جملة خَلَصُوا نَجِيًّا تعدّ من افصح العبارات في القرآن و أجملها حيث انّ اللّه سبحانه و تعالى قد بيّن في كلمتين أمورا كثيرة يحتاج بيانها الى عدّة جمل.
و في ذلك الاجتماع الخاص خاطبهم الأخ الكبير قائلا: قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ بأن تردّوا اليه بنيامين سالما، فالآن بماذا تجيبونه؟ و قد سوّدنا صفحتنا في المرّة السابقة بما عاملنا به أخانا يوسف وَ مِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ [١] فالآن و الحالة هكذا- فإنّني لا اغادر ارض مصر و سوف اعتصم فيها فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ و الظاهر انّ قصده بحكم اللّه، امّا الموت الذي هو حكم الهي، اي لا أبرح من هذه الأرض حتّى أموت فيها، و امّا ان يفتح اللّه سبحانه و تعالى له سبيلا للنجاة، او عذرا مقبولا عند أبيه.
[١] (فرّطتم) من مادّة تفريط و أصله من (فروط) على وزن شروط، و معناه التقدّم، و لكن حينما يكون من باب التفعيل يأخذ معنى القصور في التقدّم، و حينما يكون من باب الأفعال (افراط) يأخذ معنى الإسراف في التقدّم و التجاوز عنه.