الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢ - عاقبة الجماعة الظّالمة
أضيافه على كل حال، و هتك حرمتهم هتك لحرمة لوط. او لانّهم أرادوا ان يفهموا لوطا بأنّهم رسل اللّه، و انّ عدم وصول قومه إليهم بالاساءة امر مسلّم به، بل حتى لوط نفسه الذي هو رجل من جنس أولئك لن يصلوا اليه بسوء، و ذلك بلطف اللّه و فضله.
نقرا في الآية (٣٧) من سورة القمر وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ و هذه الآية تدل على ان هؤلاء الجماعة الذين أرادوا السوء بأضياف لوط، فقدوا بصرهم بإذن اللّه، فلم يستطيعوا الهجوم عليهم. و نقرا في بعض الرّوايات- ايضا- انّ احد الملائكة غشّى وجوههم بحفنة من التراب فعموا جميعا.
و على كل حال، فاطلاع لوط عليه السّلام على حال أضيافه و مأموريتهم نزل كالماء البارد على قلبه المحترق و احسّ بلحظة واحدة ان ثقلا كبيرا من الغمّ و الحيرة قد ازيل عن قلبه، و أشرقت عيناه بالسرور و البهجة، و علم انّ مرحلة الغم و الحيرة أشرفت على الانتهاء، و دنا زمن السرور و النجاة من مخالب هؤلاء القوم المنحرفين المتوحشين.
ثمّ امر الأضياف لوطا- مباشرة- ان يرحل هو و اهله من هذه البلدة و قالوا:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [١].
و لكن كونوا على حذر وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ الى الوراء إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ لتخلّفها عن امر اللّه و عصيانهم مع العصاة الظلمة.
و في قوله تعالى: لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ عند المفسّرين احتمالات عديدة.
الاوّل: لا ينظر احد الى ورائه مديرا وجهه الى الخلف.
الثّاني: لا تفكروا بما تركتم خلفكم من الأموال و وسائل المعاش، انّما عليكم
[١] «أسر» مشتق من «الاسراء» و هو المسير ليلا، و ذكر الليل في الآية من باب توكيد الموضوع، و القطع معناه ظلمة الليل، اشارة الى ان يتحرك و الناس نيام او مشغولون عنه بالشراب و حلك الليل ليخرج وهم في غفلة عنه.