الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦ - نحو ارض مصر
يوسف، و لكن ظاهر الآيات هو من كان في القافلة، و قد تمّ البحث عن اخوته في نهاية الآية التي سبقت هذه الآيات، و جميع الضمائر في الجمل فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً تعود على من كان في القافلة.
هنا يبرز هذا السؤال و هو: لم باعوا يوسف الذي كان يعدّ- على الأقل- غلاما ذا قيمة بثمن قليل، او كما عبّر عنه القرآن وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ...؟
و لكن هذا امر مألوف فإنّ السراق او أولئك الذين تأتيهم بضاعة مهمّة دون اي تعب و نصب يبيعونها سريعا لئلا يطلع الآخرون.
و من الطبيعي انّهم لا يستطيعون بهذه الفورية ان يبيعوه بسعر غال.
و «البخس» في الأصل معناه تقليل قيمة الشيء ظلما، و لذلك فإنّ القرآن يقول: وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ [١].
ثمّ انّ هناك اختلافا آخر بين المفسّرين في الثمن الذي بيع به يوسف، و كيف قسّم بينهم؟ فقال البعض: عشرون درهما، و قالت طائفة: اثنان و عشرون، و مع ملاحظة انّ الباعة كانوا عشرين يتّضح سهم كل منهم، و كم هو زهيد! ... و تقول الآية: وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ.
و في الحقيقة انّ هذه الجملة في حكم بيان العلة للجملة المتقدمة، و هي اشارة الى انّهم باعوا يوسف بثمن بخس، لانّهم لم يرغبوا في هذه المعاملة و لم يعتنوا بها.
و هذا البيع البخس امّا لانّ اهل القافلة اشتروا يوسف بثمن بخس، و الإنسان إذا اشترى شيئا رخيصا باعه رخيصا عادة، او انّهم كانوا يخافون ان يفتضح سرّهم و يجدون من يدّعيه، او من جهة انّهم لم يجدوا في يوسف أثرا للغلام الذي يباع و يشترى، بل وجدوا فيه آثار الحرّية واضحة في وجهه، و من هنا فلا البائعون كانوا راغبين ببيعه و لا المشترون كانوا راغبين بشرائه.
[١] هود، ٨٥.