الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢ - التّفسير
و هنا يمكن ان ينقدح هذا السؤال، و هو: لم تباحث ابراهيم عليه السّلام مع رسل اللّه و جادلهم في قوم آثمين ظالمين- كقوم لوط- و قد أمروا بتدميرهم، في حين انّ هذا العمل لا يتناسب مع نبيّ- خاصّة إذا كان ابراهيم عليه السّلام في عظمته و شأنه؟
لهذا فإنّ القرآن يعقّب مباشرة في الآية عن شفقة ابراهيم و توكله على اللّه فيقول إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [١].
في الواقع هذه الكلمات الثلاث المجملة جواب على السؤال المشار اليه آنفا. و توضيح ذلك: انّ هذه الصفات المذكورة لإبراهيم تشير الى انّ مجادلته كانت ممدوحة، و ذلك لانّ ابراهيم لم يتّضح له انّ امر العذاب صادر من قبل اللّه بصورة قطعية، بل كان يحتمل انّه لا يزال لهم حظ في النجاة، و يحتمل انّهم سيرتدون عن غيهم و يتّعظون، و من هنا فما زال هناك مجال للشفاعة لهم ... فكان راغبا في تأخير العذاب و العقاب عنهم، لانّه كان حليما، و مشفقا و اوّاها و منيبا الى اللّه.
فما ذكره البعض من انّ مجادلة ابراهيم إذا كانت مع اللّه فلا معنى لها، و إذا كانت مع رسله فهم ايضا لا يستطيعون ان يفعلوا شيئا من أنفسهم، فعلى كل حال فالمجادلة هذه غير صحيحة- مجانب للصواب.
و الجواب: انّه لا كلام في الحكم القطعي، امّا لو كان الحكم غير قطعي فمع تغيير الظروف و تبدل الأوضاع يمكن تغييره، لانّ طريق الرجوع لا زال مفتوحا، و بتعبير آخر: فإنّ الأوامر في هذه الحالة مشروطة لا مطلقة.
و امّا من احتمل انّ المجادلة كانت مع الرسل في شأن نجاة المؤمنين، و استشهدوا على هذا القول بالآيتين (٣١) و (٣٢) من سورة العنكبوت
[١]- «الحليم» مشتق من «الحلم» و هو: الاناة و الصبر في سبيل الوصول الى هدف مقدس، و الأواه في الأصل: كثير التحسر و الآه سواء من الخوف من المسؤلية التي يحملها او من المصائب، و المنيب من الانابة اي الرجوع.