الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٨٢ - انقياد العرب و إسلامهم
..........
ما ذكره ابن عباس حين سأله عمر عن تأويلها، فأخبره أن اللّه تعالى أعلم فيها نبيّه (عليه السلام) بانقضاء أجله، فقال له عمر: ما أعلم منها إلا ما قلت. و ظاهر هذا الكلام يدل على ما قاله ابن عباس و عمر؛ لأن اللّه تعالى لم يقل: فاشكر ربّك، و احمده، كما قال ابن إسحاق: إنما قال: فسبّح بحمد ربّك و استغفره، إنه كان توّابا، فهذا أمر لنبيّه (عليه السلام) بالاستعداد للقاء ربّه تعالى و التوبة إليه، و معناها الرجوع عمّا كان بسبيله مما أرسل به من إظهار الدين، إذ قد فرغ من ذلك، و تم مراده فيه، فصار جواب إذا من قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً محذوفا. و كثيرا ما يجىء فى القرآن الجواب محذوفا، و التقدير: إذا جاء نصر اللّه و الفتح، فقد انقضى الأمر، و دنا الأجل، و حان اللقاء، فسبّح بحمد ربّك و استغفره، إنه كان توّابا و وقع فى مسند البزّاز مبيّنا من قول ابن عبّاس فقال: فيه:
فقد دنا أجلك فسبّح، هذا المعنى هو الذي فهمه ابن عباس، و هو حذف جواب إذا، و لمّا يتنبّه لهذه النّكتة حسب أن جواب إذا فى قوله سبحانه:
فسبّح، كما تقول: إذا جاء رمضان فصم، و ليس فى هذا التأويل من المشاكلة لما قبله ما فى تأويل ابن عباس فتدبّره، فقد وافقه عليه عمر رضى اللّه عنه، و حسبك بهما فهما لكتاب اللّه تبارك و تعالى، فالفاء على قول ابن عباس رابطة للأمر بالفعل المحذوف، و على ما ظهر لغيره رابطة لجواب الشّرط الذي فى إذا.
[ذكر سنة تسع و تسميتها سنة الوفود و نزول سورة الفتح]
ذكر سنة تسع و تسميتها سنة الوفود و نزول سورة الفتح قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة، و فرغ من تبوك، و أسلمت ثقيف و بايعت، ضربت إليه وفود العرب من كلّ وجه.
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة: أن ذلك فى سنة تسع، و أنها كانت تسمى سنة الوفود.
[انقياد العرب و إسلامهم]
انقياد العرب و إسلامهم قال ابن إسحاق: و إنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحىّ من قريش، و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك أن قريشا كانوا إمام الناس و هاديهم، و أهل البيت الحرام، و صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، و قادة العرب لا ينكرون ذلك، و كانت قريش هى التي نصبت لحرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و خلافه، فلما افتتحت مكة، و دانت له قريش، و دوّخها الإسلام، و عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا عداوته، فدخلوا فى دين اللّه، كما قال عزّ و جلّ، أفواجا، يضربون إليه من كلّ وجه، يقول اللّه تعالى لنبيه (صلى الله عليه و سلم) إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ. وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً: أى فاحمد اللّه على ما أظهر من دينك، و استغفره إنه كان توابا.
..........