البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٩ - ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و سبعمائة
فانزعج السلطان لذلك و سأل القضاة ما ذا يجب على من تعاطى ذلك منهم؟ فقالوا يعزر، فأخرج جماعة من السجون ممن وجب عليه قتل فقطع و صلب و حرم و حزم و عاقب، موهما أنه إنما عاقب من تعاطى تخريب ذلك، فسكن الناس و أمنت النصارى و ظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أياما. و فيه ثارت الحرامية ببغداد و نهبوا سوق الثلاثاء وقت الظهر، فثار الناس وراءهم و قتلوا منهم قريبا من مائة و أسروا آخرين.
قال الشيخ علم الدين البرزالي و من خطه نقلت: و في يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى خرج القضاة و الأعيان و المفتون إلى القابون و وقفوا على قبلة الجامع الّذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، و حرروا قبلته و اتفقوا على أن تكون مثل قبلة جامع دمشق.
و فيه وقعت مراجعة من الأمير جوبان أحد المقدمين الكبار بدمشق، و بين نائب السلطنة تنكز، فمسك جوبان و رفع إلى القلعة ليلتان، ثم حول إلى القاهرة فعوتب في ذلك، ثم أعطى خبزا يليق به. و ذكر علم الدين أن في هذا اليوم وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة و الأماكن المليحة المرتفقة، و بعض المساجد، و حصل للناس مشقة عظيمة من ذلك، و قنتوا في الصلوات ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من قبل النصارى بسبب ما كان أحرق من كنائسهم و هدم، فقتل السلطان بعضهم و ألزم النصارى أن يلبسوا الزرقاء على رءوسهم و ثيابهم كلها، و أن يحملوا الاجراس في الحمامات، و أن لا يستخدموا في شيء من الجهات، فسكن الأمر و بطل الحريق.
و في جمادى الآخرة خرب ملك التتار أبو سعيد البازار و زوج الخواطئ و أراق الخمور و عاقب في ذلك أشد العقوبة، و فرح المسلمون بذلك و دعوا له (رحمه اللَّه) و سامحه. و في الثالث عشر من جمادى الآخرة أقيمت الجمعة بجامع القصب و خطب به الشيخ على المناخلى. و في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة فتح الحمام الّذي أنشأه تنكز تجاه جامعه، و أكرى في كل يوم بأربعين درهما لحسنه و كثرة ضوئه و رخامه. و في يوم السبت تاسع عشر رجب خربت كنيسة القراءين التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة و جاءت المراسيم السلطانية بذلك. و في أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبى سعيد ملك التتار، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي، و فيها خمسون جملا و خيول و حمار عتابى. و في منتصف رمضان أقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون و شهدها يومئذ القضاة و الصاحب و جماعة من الأعيان. قال الشيخ علم الدين: و قدم دمشق الشيخ قوام الدين أمير كاتب ابن الأمير العميد عمر الأكفاني القازاني، مدرس مشهد الامام أبى حنيفة ببغداد، في أول رمضان، و قد حج في هذه السنة و توجه إلى مصر و أقام بها أشهرا ثم مر بدمشق متوجها إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية، و هو ذو فنون و بحث و أدب و فقه. و خرج الركب الشامي يوم الاثنين عاشر