البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٧ - ثم دخلت سنة عشرين و سبعمائة
من ملوك الافرنج، و غنموا شيئا كثيرا من الأموال، يقال كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارا من الذهب و الفضة، و إنما كان جيش الإسلام يومئذ ألفين و خمسمائة فارس غير الرماة، و لم يقتل منهم سوى إحدى عشر قتيلا، و هذا من غريب ما وقع و عجيب ما سمع. و في يوم الخميس ثانى عشرين رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقى الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة، و حضر فيه القضاة و المفتون من المذاهب، و حضر الشيخ و عاتبوه على العود إلى الإفتاء بمسألة الطلاق ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر و ثمانية عشر يوما، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى و عشرين كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. و بعد ذلك بأربعة أيام أضيف شد الأوقاف إلى الأمير علاء الدين بن معبد إلى ما بيده من ولاية البر و عزل بدر الدين المنكورسى عن الشام.
و في آخر شعبان مسك الأمير علاء الدين الجاولي نائب غزة و حمل إلى الاسكندرية لأنه اتهم أنه يريد الدخول إلى دار اليمن، و احتيط على حواصله و أمواله، و كان له بر و إحسان و أوقاف، و قد بنى بغزة جامعا حسنا مليحا. و في هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخمور و أبطل الحانات، و أظهر العدل و الإحسان إلى الرعايا، و ذلك أنه أصابهم برد عظيم و جاءهم سيل هائل فلجئوا إلى اللَّه عز و جل، و ابتهلوا إليه فسلموا فتابوا و أنابوا و عملوا الخير عقيب ذلك. و في العشر الأول من شوال جرى الماء بالنهر الكريمي الّذي اشتراه كريم الدين بخمسة و أربعين ألفا و أجراه في جدول إلى جامعه بالقبيبات فعاش به الناس، و حصل به أنس إلى أهل تلك الناحية، و نصبت عليه الأشجار و البساتين، و عمل حوض كبير تجاه الجامع من الغرب يشرب منه الناس و الدواب، و هو حوض كبير و عمل مطهرة، و حصل بذلك نفع كثير، و رفق زائد أثابه اللَّه. و خرج الركب في حادي عشر شوال و أميره الملك صلاح الدين بن الأوحد، و فيه زين الدين كتبغا الحاجب، و كمال الدين الزملكانى و القاضي شمس الدين بن المعز، و قاضى حماة شرف الدين البازرى، و قطب الدين ابن شيخ السلامية و بدر الدين بن العطار، و علاء الدين بن غانم، و نور الدين السخاوي، و هو قاضى الركب. و من المصريين قاضى الحنفية ابن الحريري، و قاضى الحنابلة و مجد الدين حرمي و الشرف عيسى المالكي، و هو قاضى الركب. و فيه كملت عمارة الحمام الّذي عمره الجيبغا غربي دار الطعم و دخله الناس.
و في أواخر ذي الحجة وصل إلى دمشق من عند ملك التتر الخواجه مجد الدين إسماعيل بن محمد ابن ياقوت السلامي، و في صحبته هدايا و تحف لصاحب مصر من ملك التتر، و أشهر أنه إنما جاء ليصلح بين المسلمين و التتر، فتلقاه الجند و الدولة، و نزل بدار السعادة يوما واحدا، ثم سار إلى مصر. و فيها وقف الناس بعرفات موقفا عظيما لم يعهد مثله، أتوه من جميع أقطار الأرض، و كان مع