البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٦ - ثم دخلت سنة سبع و سبعمائة
البريد ليلة الثامن عشر من شوال ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدا آخر، فردوه و حضر عند قاضى القضاة ابن جماعة و عنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس، فقال القاضي و فيه مصلحة له، و استناب شمس الدين التونسي المالكي و أذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع و قال:
ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوى المالكي فتحير، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال أنا أمضى إلى الحبس و أتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين الزواوى: يكون في موضع يصلح لمثله فقيل له الدولة ما ترضى إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القضاة في المكان الّذي كان فيه تقى الدين ابن بنت الأعز حين سجن، و أذن له أن يكون عنده من يخدمه، و كان ذلك كله بإشارة نصر المنبجى لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير الّذي تسلطن فيما بعد، و غيره من الدولة، و السلطان مقهور معه، و استمر الشيخ في الحبس يستفتي و يقصده الناس و يزورونه، و تأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء و أعيان الناس، فيكتب عليها بما يحير العقول من الكتاب و السنة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، و نزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، و أكب الناس على الاجتماع به ليلا و نهارا. و في سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزملكانى نظر ديوان المارستان عوضا عن يوسف العجمي توفى، و كان محتسبا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البصراوي قبل هذا بستة أشهر، و كان العجمي موصوفا بالأمانة. و في ليلة النصف من شعبان أبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة و صين الجامع من الغوغاء و الرعاع، و حصل بذلك خير كثير و للَّه الحمد و المنة.
و في رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي و معه توقيع بنظر الخزانة عوضا عن شمس الدين الخطيريّ مضافا إلى ما بيده من الحسبة، و وقع في أواخر رمضان مطر قوى شديد، و كان الناس لهم مدة لم يمطروا، فاستبشروا بذلك، و رخصت الأسعار، و لم يمكن الناس الخروج إلى المصلى من كثرة المطر، فصلوا بالجامع، و حضر نائب السلطنة فصلى بالمقصورة، و خرج المحمل، و أمير الحج عامئذ سيف الدين بلبان البدري التتري. و فيها حج القاضي شرف الدين البارزي من حماة. و في ذي الحجة وقع حريق عظيم بالقرب من الظاهرية مبدؤه من الفرن تجاهها الّذي يقال له فرن العوتية، ثم لطف اللَّه و كف شرها و شررها.
قلت: و في هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، و كان أول ما سكنا بدرب سعور الّذي يقال له درب ابن أبى الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطوريين، و نسأل اللَّه حسن العاقبة و الخاتمة آمين.