البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - ثم دخلت سنة سبع و سبعمائة
قتل أمير التتر الكبير قطلو شاه، فاشتد غضب خربندا على أهل كيلان، و لكنه فرح بقتل قطلو شاه فإنه كان يريد قتل خربندا فكفى أمره عنهم، ثم قتل بعده بولاى. ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ براق الّذي قدم الشام فيما تقدم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالة فقتلوه و أراحوا الناس منه، و بلادهم من أحصن البلاد و أطيبها لا تستطاع، و هم أهل سنة و أكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم.
و في يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة بالشيخ تقى الدين ابن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل، و طال بينهما الكلام ثم تفرقا قبل الصلاة، و الشيخ تقى الدين مصمم على عدم الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة الثالث و العشرين من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى ملك العرب إلى السجن بنفسه و أقسم على الشيخ تقى الدين ليخرجن إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار و جرت بينهم بحوث كثيرة. ثم فرقت بينهم الصلاة، ثم اجتمعوا إلى المغرب و بات الشيخ تقى الدين عند سلار، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميع النهار، و لم يحضر أحد من القضاة بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدين بن رفع و علاء الدين التاجي، و فخر الدين بن بنت أبى سعد، و عز الدين النمراوى، و شمس الدين بن عدنان و جماعة من الفقهاء و طلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض، و بعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوى عليه من العلوم و الادلة، و أن أحدا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة و لم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفصل المجلس على خير، و بات الشيخ عند نائب السلطنة و جاء الأمير حسام الدين مهنا يريد أن يستصحب الشيخ تقى الدين معه إلى دمشق، فأشار سلار بإقامة الشيخ بمصر عنده ليرى الناس فضله و علمه، و ينتفع الناس به و يشتغلوا عليه. و كتب الشيخ كتابا إلى الشام يتضمن ما وقع له من الأمور. قال البرزالي: و في شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقى الدين و كلموه في ابن عربي و غيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعيّ، فعقد له مجلس و ادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال لا يستغاث إلا باللَّه، لا يستغاث بالنبيّ استغاثة بمعنى العبارة، و لكن يتوسل به و يتشفع به إلى اللَّه [١] فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء، و رأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء إما أن يسير إلى دمشق أو الاسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرا لخواطرهم، فركب خيل
[١] المعروف في كتب ابن تيمية و ترجمته لابن عبد الهادي: أنه لا يجيز هذا. فليحرر.