البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - ثم دخلت سنة ست و سبعمائة
العربية و اللغة و القراءات و إيراد الأحاديث النبويّة، و التردد إلى المشايخ للقراءة عليهم، و كان فصيح العبارة حلو المحاضرة، لا تمل مجالسته، و قد درس بالطبية، و بالرباط الناصري مدة، ثم تحول عنه إلى خطابة جامع جراح، ثم انتقل إلى خطابة جامع دمشق بعد الفارقيّ في سنة ثلاث و لم يزل به حتى توفى يوم الأربعاء عشية التاسع من شوال، عن خمس و سبعين سنة، و صلى عليه صبيحة يوم الخميس على باب الخطابة، و دفن عند أبيه و أخيه بباب الصغير (رحمهم اللَّه)، و ولى الخطابة ابن أخيه
شيخنا العلامة برهان الدين الحافظ الكبير الدمياطيّ
و هو الشيخ الامام العالم الحافظ شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبى الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطيّ، حامل لواء هذا الفن- أعنى صناعة الحديث و علم اللغة- في زمانه مع كبر السن و القدر، و علو الاسناد و كثرة الرواية، و جودة الدراية، و حسن التآليف و انتشار التصانيف، و تردد الطلبة إليه من سائر الآفاق، و مولده في آخر سنة ثلاث عشرة و ستمائة، و قد كان أول سماعه في سنة ثنتين و ثلاثين بالإسكندرية، سمع الكثير على المشايخ و رحل و طاف و حصل و جمع فأوعى، و لكن ما منع و لا بخل، بل بذل و صنف و نشر العلم، و ولى المناصب بالديار المصرية، و انتفع الناس به كثيرا، و جمع معجما لمشايخه الذين لقيهم بالشام و الحجاز و الجزيرة و العراق و ديار مصر يزيدون على ألف و ثلاثمائة شيخ، و هو مجلدان، و له الأربعون المتباينة الاسناد و غيرها و له كتاب في الصلاة الوسطى مفيد جدا، و مصنف في صيام ستة أيام من شوال أفاد فيه و أجاد، و جمع ما لم يسبق إليه، و له كتاب الذكر و التسبيح عقيب الصلوات، و كتاب التسلي في الاغتباط بثواب من يقدم من الإفراط، و غير ذلك من الفوائد الحسان، و لم يزل في إسماع الحديث إلى أن أدركته وفاته و هو صائم في مجلس الاملاء غشي عليه فحمل إلى منزله فمات من ساعته يوم الأحد عاشر ذي القعدة بالقاهرة، و دفن من الغد بمقابر باب النصر و كانت جنازته حافلة جدا (رحمه اللَّه تعالى)
ثم دخلت سنة ست و سبعمائة
استهلت و الحكام هم المذكورون في التي قبلها و الشيخ تقى الدين بن تيمية مسجون بالجب من قلعة الجبل، و في يوم الأربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين إمام الكلاسة و ذلك في ربيع الأول، و هنئ بذلك فأظهر التكره لذلك و الضعف عنه، و لم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصيد، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر، فأول صلاة صلاها الصبح يوم الجمعة، ثم خلع عليه و خطب بها يومئذ، و في يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي عوضا عن تاج الدين بن صالح بن تامر بن خان الجعبريّ، و كان معمرا قديم الهجرة كثير الفضائل، دينا