البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٦ - صفة عقد مجلس بسبب قاضى القضاة تاج الدين السبكى الشافعيّ
صفة عقد مجلس بسبب قاضى القضاة تاج الدين السبكى الشافعيّ
و لما كان يوم الاثنين الرابع و العشرين من ربيع الأول عقد مجلس حافل بدار السعادة بسبب ما رمى به قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ ابن قاضى القضاة تقى الدين السبكى، و كنت ممن طلب إليه، فحضرته فيمن حضر، و قد اجتمع فيه القضاة الثلاثة، و خلق من المذاهب الأربعة، و آخرون من غيرهم، بحضرة نائب الشام سيف الدين منكلى بغا، و كان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الأبواب الشريفة، و استنجز كتابا إلى نائب السلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس، و كان قد كتب فيه محضران متعاكسان أحدهما له و الآخر عليه، و في الّذي عليه خط القاضيين المالكي و الحنبلي، و جماعة آخرين، و فيه عظائم و أشياء منكرة جدا ينبو السمع عن استماعه. و في الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثناء عليه، و فيه خطى بأنى ما رأيت فيه إلا خيرا. و لما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس، فصارت كل طائفة وحدها، و تحاذوا فيما بينهم، و تأصل عنه نائبة القاضي شمس الدين الغزى، و النائب الآخر بدر الدين بن وهبة و غيرهما، و صرح قاضى القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه، و أجابه بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ، فبادر القاضي الغزى فقال للحنبلى: أنت قد ثبتت عداوتك لقاضى القضاة تاج الدين، فكثر القول و ارتفعت الأصوات و كثر الجدال و المقال، و تكلم قاضى القضاة جمال الدين المالكي أيضا بنحو ما قال الحنبلي، فأجيب بمثل ذلك أيضا، و طال المجلس فانفصلوا على مثل ذلك، و لما بلغت الباب أمر نائب السلطنة برجوعى إليه، فإذا بقية الناس من الطرفين و القضاة الثلاثة جلوس، فأشار نائب السلطنة بالصلح بينهم و بين قاضى القضاة تاج الدين- يعنى و أن يرجع القاضيان عما قالا- فأشار الشيخ شرف الدين بن قاضى الجبل و أشرت أنا أيضا بذلك فلان المالكي و امتنع الحنبلي، فقمنا و الأمر باق على ما تقدم، ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة، ففعل ذلك و سار البريد بذلك إلى الديار المصرية، ثم اجتمعنا أيضا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من ربيع الآخر بدار السعادة، و حضر القضاة الثلاثة و جماعة آخرون، و اجتهد نائب السلطنة على الصلح بين القضاة و قاضى الشافعية و هو بمصر، فحصل خلف و كلام طويل، ثم كان الأمر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك على ما سنذكره في الشهر الآتي.
و في مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلم داود الّذي كان مباشرا لنظارة الجيش، و أضيف إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت، فاجتمع له هاتان الوظيفتان و لم يجتمعا لأحد قبله كما في علمي، و كان من أخبر الناس بنظر الجيش و أعلمهم بأسماء رجاله، و مواضع الاقطاعات، و قد كان والده نائبا لنظار