البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - وصول السلطان الملك المنصور إلى المصطبة غربي عقبة سجورا
و القضاة الأربعة- يعنى بذلك يلبغا- و كتب بالجواب و أرسله صحبة البريدي و هو كتكلدى مملوك بقطبه الدويدار، و أرسل في صحبته الأمير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يوم ذلك.
و في يوم الإثنين الثاني و العشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر، و ليس ثم مفتوح سوى باب النصر و الفرج، و الناس في حصر شديد و انزعاج، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لكن قد اقترب وصول السلطان و العساكر المنصورة. و في صبيحة الأربعاء أصبح الحال كما كان و أزيد، و نزل الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكى بقبة يلبغا، و امتد طلبه من سيف داريا إلى القبة المذكورة في أبهة عظيمة، و هيئة حسنة، و تأخر الركاب الشريف بتأخره عن الصميين بعد، و دخل بيدمر في هذا اليوم إلى القلعة و تحصن بها. و في يوم الخميس الخامس و العشرين منه استمرت الأبواب كلها مغلقة سوى باب النصر و الفرج، و ضاق النطاق و انحصر الناس جدا، و قطع المصريون نهر بانياس و الفرع الداخل إليها و إلى دار السعادة من القنوات، و احتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور، فانزعج أهل البلد لذلك و ملئوا ما في بيوتهم من برك المدارس، و بيعت القربة بدرهم، و الحق بنصف، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ و للَّه الحمد و المنة، فانشرح الناس لذلك، و أصبح الصباح يوم الجمعة و الأبواب مغلقة و لم يفتح باب النصر و الفرج إلى بعد طلوع الشمس بزمان، فأرسل يلبغا من جهته أربعة أمراء و هم الأمير زين الدين زبالة الّذي كان نائب القلعة، و الملك صلاح الدين ابن الكامل، و الشيخ على الّذي كان نائب الرحبة من جهة بيدمر، و أمير آخر، فدخلوا البلد و كسروا أقفال أبواب البلد، و فتحوا الأبواب، فلما رأى بيدمر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم انتهى.
وصول السلطان الملك المنصور إلى المصطبة غربي عقبة سجورا
كان ذلك في يوم الجمعة السادس و العشرين من شهر رمضان في جحافل عظيمة كالجبال، فنزل عند المصطبة المنسوبة إلى عم ابنته الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، و جاءت الأمراء و نواب البلاد لتقبيل يده و الأرض بين يديه، كنائب حلب، و نائب حماة، و هو الأمير علاء الدين المارداني، و قد عين لنيابة دمشق، و كتب بتقليده بذلك، و أرسل إليه و هو بحماة. فلما كان يوم السبت السابع و العشرين منه خلع على الأمير علاء الدين على المارداني بنيابة دمشق، و أعيد إليها عودا على بدء، ثم هذه الكرة الثالثة، و قبل يد السلطان و ركب عن يمينه، و خرج أهل البلد لتهنئته، هذا و القلعة محصنة بيد بيدمر، و قد دخلها ليلة الجمعة و احتمى بها، هو و منجك و استدمر و من معه من الأعوان بها، و لسان حال القدر يقول أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ و لما كان يوم الأحد طلب قضاة القضاة و أرسلوا إلى بيدمر و ذويه بالقلعة ليصالحوه على شيء ميسور يشترطونه، و كان ما سنذكره انتهى و اللَّه تعالى أعلم.