البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و سبعمائة
إكراما و إحسانا زائدا فاجتاز في طريقه بالقدس الشريف فأقام به يوم عرفة و النحر، ثم سلك على طريق غابة أرصوف يصطاد بها فأصابه وعك منعه عن ذلك، فأسرع السير فدخل دمشق من صبيحة يوم الاثنين الحادي و العشرين منه في أبهة هائلة، و رياسة طائلة، و تزايد و خرج العامة للتفرج عليه و النظر إليه في مجيئه هذا، فدخل و عليه قباء معظم و مطرز، و بين يديه ما جرت به العادة من الحوفية و الشاليشية و غيرهم، و من نيته الإحسان إلى الرعية و النظر في أحوال الأوقاف و إصلاحها على طريقة تنكز (رحمه اللَّه)، انتهى و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و سبعمائة
استهلت هذه السنة المباركة و سلطان الإسلام بالديار المصرية و الشامية و الحرمين الشريفين و ما يتبع ذلك و يلتحق به الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، و لا نائب له بالديار المصرية، و قضاته بها هم المذكورون في العام الماضي، و وزيره القاضي بن اخصيب و نائب الشام بدمشق الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي، و القضاة و الخطيب و بقية الأشراف و ناظر الجيش و المحتسب هم المذكورون في العام الماضي، و الوزير ابن قزوينة، و كاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي، و وكيل بيت المال القاضي صلاح الدين الصغدي و هو أحد موقعى الدست الأربعة. و شاد الأوقاف الأمير ناصر الدين بن فضل اللَّه، و حاجب الحجاب اليوسفى، و قد توجه إلى الديار المصرية ليكون بها أمير جنهار، و متولى البلد ناصر الدين، و نقيب النقباء ابن الشجاعي. و في صبيحة يوم الإثنين سادس المحرم قدم الأمير على نائب حماة منها فدخل دمشق مجتازا إلى الديار المصرية فنزل في القصر الأبلق ثم تحول إلى دار دويداره يلبغا الّذي جدد فيها مساكن كثيرة بالقصاعين.
و تردد الناس إليه للسلام عليه، فأقام بها إلى صبيحة يوم الخميس تاسعه، فسار إلى الديار المصرية.
و في يوم الأحد تاسع عشر المحرم أحضر حسن بن الخياط من محلة الشاغور إلى مجلس الحكم المالكي من السجن، و ناظر في إيمان فرعون و ادعى عليه بدعاوى لانتصاره لفرعون لعنه اللَّه، و صدق ذلك باعترافه أولا ثم بمناظرته في ذلك ثانيا و ثالثا، و هو شيخ كبير جاهل عامي ذا نص لا يقيم دليلا و لا يحسنه، و إنما قام في مخيلته شبهة يحتج عليها بقوله إخبارا عن فرعون حين أدركه الغرق، و أحيط به و رأى بأس اللَّه، و عاين عذابه الأليم، فقال حين الغرق إذا آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال اللَّه تعالى آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً فاعتقد هذا العامي أن هذا الايمان الّذي صدر من فرعون و الحالة هذه ينفعه، و قد قال تعالى فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ و قال تعالى