البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و سبعمائة
باب الصغير، و كان مولده في ثانى ربيع الأول سنة ثمانين و ستمائة، فجمع الكثير و تفرد بالرواية عن جماعة في آخر عمره، و انقطع بموته سماع السنن الكبير للبيهقي، (رحمه اللَّه).
و وقع حريق عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلة الصالحية من سفح قاسيون، فاحترق السوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقا و غربا، و جنوبا و شمالا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في يوم الجمعة خامس شهر رمضان خطب بالجامع الّذي أنشأه سيف الدين يلبغا الناصري غربي سوق الخيل و فتح في هذا اليوم و جاء في غاية الحسن و البهاء، و خطب الشيخ ناصر الدين بن الربوة الحنفي، و كان قد نازعه فيه الشيخ شمس الدين الشافعيّ الموصلي، و أظهر ولاية من واقفه يلبغا المذكور، و مراسيم شريفة سلطانية، و لكن قد قوى عليه ابن الربوة بسبب أنه نائب عن الشيخ قوام الدين الاتقانى الحنفي، و هو مقيم بمصر، و معه ولاية من السلطان متأخرة عن ولاية الموصلي، فرسم لابن الربوة، فلبس يومئذ الخلعة السوداء من دار السعادة و جاءوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية، و المؤذنون يكبرون على العادة، و خطب يومئذ خطبة حسنة أكثرها في فضائل القرآن، و قرأ في المحراب بأول سورة طه، و حضر كثير من الأمراء و العامة و الخاصة، و بعض القضاة، و كان يوما مشهودا، و كنت ممن حضر قريبا منه. و العجب أنى وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابلس و فيه: و المخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السواحل من الحريق من بلاد طرابلس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان، أحرق الجبال كلها و مات الوحوش كلها مثل النمور و الدب و الثعلب و الخنزير من الحريق، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيه، و بقي الحريق عليه أياما و هرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار و احترق زيتون كثير، فلما نزل المطر أطفأه باذن اللَّه تعالى- يعنى الّذي وقع في تشرين و ذلك في ذي القعدة من هذه السنة- قال و من العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الأثاث و الثياب و غير ذلك و من حلية حرير كثير، و غالب هذه البلاد للدرزية و الرافضة. نقلته من خط كاتبه محمد بن يلبان إلى صاحبه، و هما عندي بقبان فيا للَّه العجب.
و في هذا الشهر- يعنى ذي القعدة- وقع بين الشيخ إسماعيل بن العز الحنفي و بين أصحابه من الحنفية مناقشة بسبب اعتدائه على بعض الناس في محاكمة، فاقتضى ذلك إحضاره إلى مجلس الحكم ثلاثة أيام كمثل المتمرد عندهم، فلما لم يحضر فيها حكم عليه القاضي شهاب الدين الكفري نائب الحنفي بإسقاط عدالته، ثم ظهر خبره بأنه قصد بلاد مصر، فأرسل النائب في أثره من يرده فعنفه، ثم أطلقه إلى منزله، و شفع فيه قاضى القضاة الحنفي فاستحسن ذلك و للَّه الحمد و المنة.
ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و الخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللَّه أبو بكر بن المستكفي باللَّه أبى الربيع