البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - ثم دخلت سنة ست و أربعين و سبعمائة
و في يوم الجمعة ثانى شهر رمضان المعظم توفى الشيخ الامام العالم العامل العابد الزاهد الورع أبو عمر بن أبى الوليد المالكي إمام محراب الصحابة الّذي للمالكية، و صلى عليه بعد الصلاة، و حضر جنازته خلق كثير و جم غفير، و تأسف الناس عليه و على صلاحه و فتاويه النافعة الكثيرة، و دفن إلى جانب قبر أبيه و أخيه، إلى جانب قبر أبى الغندلاوى المالكي قريبا من مسجد التاريخ (رحمه اللَّه)، و ولى مكانه في المحراب ولده، و هو طفل صغير، فاستنيب له إلى حين صلاحيته، جبره اللَّه و رحم أباه.
و في صبيحة ليلة الثلاثاء سادس رمضان وقع ثلج عظيم لم ير مثله بدمشق من مدة طويلة، و كان الناس محتاجين إلى مطر، فللّه الحمد و المنة، و تكاثف الثلج على الأسطحة، و تراكم حتى أعيى الناس أمره و نقلوه عن الأسطحة إلى الأزقة يحمل، ثم نودي بالأمر بإزالته من الطرقات فإنه سدها و تعطلت معايش كثير من الناس، فعوض اللَّه الضعفاء بعملهم في الثلج، و لحق الناس كلفة كبيرة و غرامة كثيرة، فانا للَّه و إنا إليه راجعون.
و في يوم الجمعة الثالث و العشرين من رمضان صلى بالجامع الأموي على نائب و هو الأمير علاء الدين الجاولي، و قد تقدم شيء من ترجمته (رحمه اللَّه).
و في أول شوال يوم عيد الفطر وقع فيه ثلج عظيم بحيث لم يتمكن الخطيب من الوصول إلى المصلى، و لا خرج نائب السلطنة، بل اجتمع الأمراء و القضاة بدار السعادة، و حضر الخطيب فصلى بهم العيد بها، و كثير من الناس صلوا العيد في البيوت.
و في يوم الأحد الحادي و العشرين من ذي الحجة درس قاضى القضاة تقى الدين السبكى الشافعيّ بالشامية البرانية عن الشيخ شمس الدين ابن النقيب (رحمه اللَّه)، و حضر عنده القضاة و الأعيان و الأمراء و خلق من الفضلاء، و أخذ في قوله تعالى قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ و ما بعدها. و في ذي الحجة استفتى في قتل كلاب البلد فكتب جماعة من أهل البلد في ذلك، فرسم بإخراجهم يوم الجمعة من البلد الخامس و العشرين منه، لكن إلى الخندق ظاهر باب الصغير، و كان الأولى قتلهم بالكلية و إحراقهم لئلا تنتن الناس بريحهم على ما أفتى به الامام مالك بن أنس من جواز قتل الكلاب ببلدة معينة للمصلحة، إذا رأى الامام ذلك، و لا يعارض ذلك النهى عن قتل الكلاب، و لهذا كان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب و ذبح الحمام.
ثم دخلت سنة ست و أربعين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان المسلمين بالديار المصرية و الشامية و الحرمين و البلاد الحلبية و أعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور، و قضاته بالديار المصرية و الشامية هم