البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١١ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين و سبعمائة
القاضي شرف الدين الحنبلي في حلقة الثلثاء عوضا عن القاضي تقى الدين بن الحافظ (رحمه اللَّه)، و حضر عنده القضاء و الفضلاء، و كان درسا حسنا أخذ في قوله تعالى. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ و خرج إلى مسألة تفضيل بعض الأولاد. و في يوم الخميس ثانى شهر جمادى الأولى خرجت التجريدة إلى الكرك مقدمان من الأمراء، و هما الأمير شهاب الدين بن صبح، و الأمير سيف الدين قلاوون، في أبهة عظيمة و تجمل و جيوش و بقارات، و إزعاج كثيرة.
و في صبيحة يوم الاثنين الحادي و العشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكينى على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره، و أنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير الشيخين رضى اللَّه عنهما، و قذفه أمى المؤمنين عائشة و حفصة رضى اللَّه عنهما، و زعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد، و إنما كان مرسلا إلى على، و غير ذلك من الأقوال الباطلة القبيحة قبحه اللَّه، و قد فعل. و كان والده الشيخ محمد السكاكينى يعرف مذهب الرافضة و الشيعة جيدا، و كانت له أسئلة على مذهب أهل الخير، و نظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الامام العلامة شيخ الإسلام بن تيمية (رحمه اللَّه)، و ذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكينى ما مات حتى رجع عن مذهبه، و صار إلى قول أهل السنة فاللَّه أعلم.
و أخبرت أن ولده حسنا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة.
و في ليلة الاثنين خامس شهر رجب وصل بدن الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام كان إلى تربته التي إلى جانب جامعه الّذي أنشأه ظاهر باب النصر بدمشق، نقل من الاسكندرية بعد ثلاث سنين و نصف أو أكثر، بشفاعة ابنته زوجة الناصر عند ولده السلطان الملك الصالح، فأذن في ذلك و أرادوا أن يدفن بمدرسته بالقدس الشريف، فلم يمكن، فجيء به إلى تربته بدمشق و عملت له الختم و حضر القضاة و الأعيان (رحمه اللَّه).
و في يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان المبارك توفى صاحبنا الأمير صلاح الدين يوسف التكريتي ابن أخى الصاحب تقى الدين بن توبة الوزير، بمنزله بالقصاعين، و كان شابا من أبناء الأربعين، ذا ذكاء و فطنة و كلام و بصيرة جيدة، و كان كثير المحبة إلى الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه)، و لأصحابه خصوصا، و لكل من يراه من أهل العلم عموما، و كان فيه إيثار و إحسان و محبة الفقراء و الصالحين، و دفن بتربتهم بسفح قاسيون (رحمه اللَّه)، و في يوم السبت الخامس عشر منه جاءت زلزلة بدمشق لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها و للَّه الحمد و المنة، ثم تواترت الأخبار بأنها شعثت في بلاد حلب شيئا كثيرا من العمران حتى سقط بعض الأبراج بقلعة حلب، و كثير من دورها و مساجدها و مشاهدها و جدرانها، و أما في القلاع حولها فكثير جدا، و ذكروا أن مدينة منبج