البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
الأمير سيف الدين تغردمر الحموي بعد العصر الخامس عشرينه من حلب، فتلقاه الأمراء إلى طريق القابون، و دعا له الناس دعاء كثيرا، و أحبوه لبغضهم النائب الّذي كان قبله، و هو علاء الدين آيدغمش سامحه اللَّه تعالى، فنزل بدار السعادة و حضر الموكب صبيحة يوم الاثنين، و اجتمع طائفة من العامة و سألوه أن لا يغير عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم ابن جلال الدين، فلم يلتفت إليهم، بل عمل على تقليد القاضي تقى الدين السبكى الخطابة و لبس الخلعة، و أكثر العوام لما سمعوا بذلك الغوغاء، و صاروا يجتمعون حلقا حلقا بعد الصلوات و يكثرون الفرحة في ذلك، لما منع ابن الجلال، و لكن بقي هذا لم يباشر السبكى في المحراب، و اشتهر عن العوام كلام كثير، و توعدوا السبكى بالسفاهة عليه إن خطب، و ضاق بذلك ذرعا، و نهوا عن ذلك فلم ينتهوا، و قيل لهم و لكثير منهم: الواجب عليكم السمع و الطاعة لأولى الأمر، و لو أمر عليكم عبد حبشي. فلم يرعووا، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال، ففرح العوام بذلك و حشدوا في الجامع، و جاء نائب السلطنة إلى المقصورة و الأمراء معه، و خطب ابن الجلال على العادة، و فرح الناس بذلك و أكثروا من الكلام و الهرج، و لما سلم عليهم الخطيب حين صعد ردوا عليه ردا بليغا، و تكلفوا في ذلك و أظهروا بغضة القاضي السبكى، و تجاهروا بذلك، و أسمعوه كلاما كثيرا، و لما قضيت الصلاة قرئ تقليد النيابة على السدة، و خرج الناس فرحى بخطيبهم، لكونه استمر عليهم، و اجتمعوا عليه يسلمون و يدعون له.
و في يوم الأربعاء ثالث شعبان درس القاضي برهان الدين بن عبد الحق بالمدرسة العذراوية بمرسوم سلطاني بتوليته و عزل القفجارى، و عقد لهما مجلس يوم الثلاثاء بدار العدل، فرجح جانب القاضي برهان الدين لحاجته و كونه لا وظيفة له.
و في يوم الجمعة خامسه توفى الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد ابن الجزري أحد المسندين المكثرين الصالحين، مات عن خمس و تسعين سنة (رحمه اللَّه)، و صلى عليه يوم الجمعة بالجامع المظفري و دفن بالرواحية. و في يوم الأربعاء السابع عشر منه توفى الشيخ الامام العالم العابد الناسك الصالح الشيخ شمس الدين محمد بن الزرير خطيب الجامع الكريمي بالقبيبات، و صلى عليه بعد الظهر يومئذ بالجامع المذكور، و دفن قبلي الجامع المذكور، إلى جانب الطريق من الشرق (رحمه اللَّه).
و اشتهر في أوائل رمضان أن مولودا ولد له رأسان و أربع أيد، و أحضر إلى بين يدي نائب السلطنة، و ذهب الناس للنظر إليه في محلة ظاهر باب الفراديس، يقال لها حكى الوزير، و كنت فيمن ذهب إليه في جماعة من الفقهاء يوم الخميس ثالث الشهر المذكور بعد العصر، فأحضره أبوه- و اسم أبيه سعادة- و هو رجل من أهل الجبل، فنظرت إليه فإذا هما ولدان مستقلان، فكل قد اشتبكت