البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٨ - عجيبة من عجائب الدهر
عند الشيخ تقى الدين ابن تيمية (رحمه اللَّه) من القلعة المنصورة في أيام جلال الدين القزويني، فأحضرها القاضي بعد جهد و مدافعة، و خاف على نفسه منه، فقبضها منه الفخرى بالقصر و أذن له في الانصراف من عنده، و هو متغضب عليه، و ربما هم بعزله لممانعته إياها، و ربما قال قائل هذه فيها كلام يتعلق بمسألة الزيارة، فقال الفخرى: كان الشيخ أعلم باللَّه و برسوله منكم. و استبشر الفخرى بإحضارها إليه و استدعى بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن، و بالشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن قيم الجوزية و كان له سعى مشكور فيها، فهنأهما بإحضاره الكتب، و بيت الكتب تلك الليلة في خزانته للتبرك و صلى به الشيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر، و أكرمه الفخرى إكراما زائدا لمحبته الشيخ (رحمه اللَّه).
و في يوم الأحد رابعه دقت البشائر بالقلعة و في باب الميدان لقدوم بشير بالقبض على قوصون بالديار المصرية، و اجتمع الناس لذلك و استبشر كثير منهم بذلك، و أقبل جماعة من الأمراء إلى الكرك لطاعة الناصر بن الناصر، و اجتمعوا مع الأمراء الشاميين عند الكرك، و طلبوا منه أن ينزل إليهم فأبى و توهم أن هذه الأمور كلها مكيدة ليقبضوه و يسلموه إلى قوصون، و طلب منهم أن ينظر في أمره و ردهم إلى دمشق. و في هذه الأيام و ما قبلها و ما بعدها أخذ الفخرى من جماعة التجار بالأسواق و غيرها زكاة أموالهم سنة، فتحصل من ذلك زيادة على مائة ألف و سبعة آلاف، و صودر أهل الذمة بقريب من ذلك زيادة على الجزية التي أخذت منهم عن ثلاث سنين سلفا و تعجيلا، ثم نودي في البلد يوم الاثنين الحادي و العشرين من الشهر مناداة صادرة من الفخرى برفع الظلامات و الطلبات و إسقاط ما تبقى من الزكاة و المصادرة، غير أنهم احتاطوا على جماعة من المشاة المكثرين ليشتروا منهم بعض أملاك الخلص، و البرهان بن بشارة الحنفي تحت المصادرة و العقوبة على طلب المال الّذي وجده في طميرة وجدها فيما ذكر عنه و اللَّه أعلم.
و في يوم الجمعة الرابع و العشرين منه بعد الصلاة دخل الأمراء الستة الذين توجهوا نحو الكرك لطلب السلطان أن يقدم إلى دمشق فأبى عليهم في هذا الشهر، و وعدهم وقتا آخر فرجعوا، و خرج الفخرى لتلقيهم، فاجتمعوا قبلي جامع القبيبات الكريمي، و دخلوا كلهم إلى دمشق في جمع كثير من الأتراك الأمراء و الجند، و عليهم خمدة لعدم قدوم السلطان أيده اللَّه. و في يوم الأحد قدم البريد خلف قماري و غيره من الأمراء يطلبهم إلى الكرك، و اشتهر أن السلطان رأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و هو يأمره بالنزول من الكرك و قبول المملكة، فانشرح الناس لذلك.
و توفى الشيخ عمر بن أبى بكر بن اليثمى البسطي يوم الأربعاء التاسع و العشرين، و كان رجلا صالحا كثير التلاوة و الصلاة و الصدقة، و حضور مجالس الذكر و الحديث، له همة و صولة على الفقراء