البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبويّة
ذلة عظيمة و خمدة، و زلزلوا زلزالا شديدا، و غلقت الأسواق و تيقنوا أن لا ناصر لهم إلا اللَّه عز و جل، و أن نائب الشام لما كان فيه قوة مع السلطان عام أول لم يقو على التقاء جيش التتر فكيف به الآن و قد عزم على الهرب؟ و يقولون: ما بقي أهل دمشق إلا طعمة العدو، و دخل كثير من الناس إلى البراري و القفار و المغر بأهاليهم من الكبار و الصغار، و نودي في الناس من كانت نيته الجهاد فليلحق بالجيش فقد اقترب وصول التتر، و لم يبق بدمشق من أكابرها إلا القليل، و سافر ابن جماعة و الحريري و ابن صصريّ و ابن منجا، و قد سبقهم بيوتهم إلى مصر، و جاءت الاخبار بوصول التتر إلى سرقين و خرج الشيخ زين الدين الفارقيّ و الشيخ إبراهيم الرقى و ابن قوام و شرف الدين بن تيمية و ابن خبارة إلى نائب السلطنة الافرم فقووا عزمه على ملاقاة العدو، و اجتمعوا بمهنا أمير العرب فحرضوه على قتال العدو فأجابهم بالسمع و الطاعة، و قويت نياتهم على ذلك، و خرج طلب سلار من دمشق إلى ناحية المرج، و استعدوا للحرب و القتال بنيات صادقة.
و رجع الشيخ تقى الدين بن تيمية من الديار المصرية في السابع و العشرين من جمادى الأولى على البريد، و أقام بقلعة مصر ثمانية أيام يحثهم على الجهاد و الخروج إلى العدو، و قد اجتمع بالسلطان و الوزير و أعيان الدولة فأجابوه إلى الخروج، و قد غلت الأسعار بدمشق جدا، حتى بيع خاروفان بخمسمائة درهم، و اشتد الحال، ثم جاءت الاخبار بأن ملك التتار قد خاض الفرات راجعا عامه ذلك لضعف جيشه و قلة عددهم، فطابت النفوس لذلك و سكن الناس، و عادوا إلى منازلهم منشرحين آمنين مستبشرين. و لما جاءت الأخبار بعدم وصول التتار إلى الشام في جمادى الآخرة تراجعت أنفس الناس إليهم و عاد نائب السلطنة إلى دمشق، و كان مخيما في المرج من مدة أربعة أشهر متتابعة، و هو من أعظم الرباط، و تراجع الناس إلى أوطانهم: و كان الشيخ زين الدين الفارقيّ قد درس بالناصرية لغيبة مدرسها كمال الدين بن الشريشنى بالكرك هاربا، ثم عاد إليها في رمضان، و في أواخر الشهر درس ابن الزكي بالدولعية عوضا عن جمال الدين الزرعى لغيبته. و في يوم الاثنين قرئت شروط الذمة على أهل الذمة و ألزموا بها و اتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، و أخذوا بالصغار، و نودي بذلك في البلد و ألزم النصارى بالعمائم الزرق، و اليهود بالصفر، و السامرة بالحمر، فحصل بذلك خير كثير و تميزوا عن المسلمين، و في عاشر رمضان جاء المرسوم بالمشاركة بين أرجواش و الأمير سيف الدين أقبجا في نيابة القلعة، و أن يركب كل واحد منهما يوما، و يكون الآخر بالقلعة يوما، فامتنع أرجواش من ذلك.
و في شوال درس بالإقبالية الشيخ شهاب الدين بن المجد عوضا عن علاء الدين القونوي بحكم إقامته بالقاهرة، و في يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة عزل شمس الدين بن الحريري عن قضاء الحنفية بالقاضي جلال الدين بن حسام الدين على قاعدته و قاعدة أبيه، و ذلك باتفاق من