البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و سبعمائة
و هذا من العجب فإنه نقض الجدار و ما يسامته من السقف، و أعيد في مدة لا يتخيل إلى أحد أن عمله يفرغ فيما يقارب هذه المدة جزما، و ساعدهم على سرعة الاعادة حجارة وجدوها في أساس الصومعة الغربية التي عند الغزالية، و قد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة كما في الغربية و الشرقية القبلتين منه فأبيدت الشماليتين قديما و لم يبق منهما من مدة ألوف من السنين سوى أس هذه المئذنة الغربية الشمالية، فكانت من أكبر العون على إعادة هذا الجدار سريعا. و من العجب أن ناظر الجامع ابن مراجل لم ينقص أحدا من أرباب المرتبات على الجامع شيئا مع هذه العمارة.
و في ليلة السبت خامس جمادى الأولى وقع حريق عظيم بالقرايين و اتصل بالرماحين، و احترقت القيسارية و المسجد الّذي هناك، و هلك للناس شيء كثير من الفرا و الجوخ و الأقمشة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في يوم الجمعة عاشره بعد الصلاة صلى على القاضي شمس الدين بن الحريري قاضى قضاة الحنفية بمصر، و صلى عليه صلاة الغائب بدمشق. و في هذا اليوم قدم البريد بطلب برهان الدين بن عبد الحق الحنفي إلى مصر ليلى القضاء بها بعد ابن الحريري، فخرج مسافرا إليها، و دخل مصر في خامس عشرين جمادى الأولى، و اجتمع بالسلطان فولاه القضاء و أكرمه و خلع عليه و أعطاه بغلة بزنارى، و حكم بالمدرسة الصالحية بحضرة القضاة و الحجاب، و رسم له بجميع جهات ابن الحريري.
و في يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقى الدين بن تيمية من الكتب و الأوراق و الدواة و القلم، و منع من الكتب و المطالعة، و حملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة. قال البرزالي: و كانت نحو ستين مجلدا، و أربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة و الفقهاء فيها و تفرقوها بينهم، و كان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقى ابن الاخنائى المالكي في مسألة الزيارة فرد عليه الشيخ تقى الدين و استجهله و أعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الاخنائى إلى السلطان و شكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك و كان ما كان، كما ذكرنا. و في أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي في الدست، مكان أخيه جمال الدين توقيرا لخاطره عن المباشرة، و أن يكون معلومه على قضاء العساكر و الوكالة، و خلع عليهما بذلك.
و في يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للأئمة الثلاثة الحنفي و المالكي و الحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الأموي، فعين المحراب الجديد الّذي بين الزيادة و المقصورة للإمام الحنفي، و عين محراب الصحابة للمالكى و عين، محراب مقصورة الخضر الّذي كان يصلى فيه المالكي للحنبلى، و عوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة، و كان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة