قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣٨٨ - الجهة الاولى فيما يستفاد من الآية المباركة في نفسها
و أنّه بعطف ذلك على المحاربة يذعن الناس بأنّ عمل هؤلاء- و هو محاربتهم بحسب الفرض و قتالهم للمسلمين- بلغ مبلغاً يستحقّون به المجازاة المذكورة، ممنوع جدّاً؛ إذ أي مرتكز عقلائي في باب الفساد في الأرض يقضي بأنّ حكمه و جزاءه القتل، بل بالعكس كون الحرب و المحاربة جزاؤها ذلك أوضح في المرتكز العقلائي، و الظاهر أنّ هذه ارتكازات متشرعية ناشئة من الأحكام الشرعية و في طولها، فلا ينبغي جعلها منشأً للاستظهار من الآيات الكريمة، كما هو واضح.
و ثانياً: أنّ مبنى الاستظهار المذكور- كما اعترف به- كون الافساد في الأرض المعطوف على المحاربة أعمّ منه مطلقاً، و أنّه من عطف العامّ على الخاصّ، فلا يكون من باب الجمع بين أمرين، بل من باب ذكر العلّة و النكتة العامّة بعد ذكر مصداق منه خاصّ.
إلّا أنّ هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لما تقدّم من أنّه ليس كلّ معصية إفساداً في الأرض كما أنّه ليس كلّ محاربة سعياً في الأرض فساداً، و لهذا تقدّم عن المفسّرين أنّ الجملة الثانية مقيّدة و مخصّصة للمحاربة بما يكون للإفساد في الأرض، فيخرج قتال الكفّار و البغاة عن المحاربة.
الاحتمال الثالث:
و هكذا يتعيّن الاحتمال الثالث، و هو أن يكون الموضوع للمجازاة في الآية مجمع العنوانين و القيدين كما هو مقتضى واو العطف. و لكن ليس المقصود اشتراط فعلين و صدور جريمتين خارجاً بأن يحارب اللَّه و رسوله و يسعى فساداً في الأرض، بل الموضوع فعل واحد يكون مصداقاً للعنوانين.
و إن شئت قلت: إنّ السعي في الأرض فساداً قيد للمحاربة لا للمحارب و أنّ المحاربة قيد للإفساد في الأرض لا للمفسد، فكما لا يكون في الآية فاعلان مستقلّان كذلك ليس فيها فعلان كذلك بل فعل واحد يتّصف بأنّه محاربة وسعي للفساد في الأرض في نفس الوقت.