فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٧٧ - القول الثاني التفصيل في المسألة بين ما إذا ردت الشهادة بأمر ظاهر فيحد الجميع
قول الشهيد الثاني رحمه الله[١] من أنّه يلزم من حدّ غير مردود الشهادة، فيما إذا ردّت شهادة بعضهم بأمر خفيّ، ترك الشهادة و تعطيل الحدود، إذ لم يأمن كلّ شاهد بالزنا ردّ شهادته أو شهادة أصحابه أو بعضهم.
أقول: إنّ الشهادة المستثناة في الآية الشريفة، ليست هي إلّا الشهادة المقبولة الجامعة لجميع شرائط الشهادة، لا الشهادة المجرّدة عنها، و لذا لو ردّت شهادة الكلّ، فعلى الجميع الحدّ، سواء كان بأمر خفيّ أو ظاهر.
هذا، و من جانب آخر أنّه ليس شرط حدّ الفرية كون القاذف مفرّطاً، و إلّا فمن يشهد أوّلًا مع القطع بأنّ الجميع يشهدون بعده و امتنع الرابع و لم يشهد، فيلزم أن لا يكون عليه حدّ، لعدم كونه مفرّطاً، في حين أنّ الأمر ليس كذلك.
و الظاهر أنّه سبحانه أراد أن يمنع الناس عن الشهادة في مثل ذلك الموضوع، لأنّه يؤدّي إلى الجهر بالسوء من القول، و إشاعة الفحشاء بين الناس، و مدعاة لهتك الحرمات، و لذا لاحظ فيها القيود الكثيرة، ككون عدد الشهود بحدّ النصاب، و كون شهاداتهم متوالية بلا فصل، و كونها مرئيّة رؤيا العين، و عدم الاكتفاء بالقرائن و الأمارات، و وثوق كلّ منهم بأنّ الشهود الأخر يشهدون و لا يمتنعون؛ و ذلك حتّى لا يتجرّأ الناس على الشهادة كيفما كان.
و لا ينافيه ترغيب الناس إلى أداء الشهادة و تحريضهم على ذلك، امتثالًا لقوله تعالى:
«وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ»[٢]؛ لأنّها ناظرة إلى موارد أخرى، و على هذا فلا يخلو حدّ الجميع عن قوّة.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ النصوص الدالّة على حدّ الفرية تنصرف عن هذه الصورة، لعدم
[١]- مسالك الأفهام، ج ١٤، ص ٣٩٦.
[٢]- البقرة( ٢): ٢٨٣.