فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٤٠ - الأمر الثاني في التعزيرات الحكومية
و استدلّ على ذلك أيضاً بأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم حبس رجلًا اتّهم بسرقة بعير، و لمّا ظهر فيما بعد أنّه لم يسرقه أخلى سبيله[١]، بتقريب أنّ الحبس عقوبة تعزيريّة، و العقوبة لا تكون إلّا عن جريمة و بعد ثبوتها، فإذا كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد حبس الرجل لمجرّد الاتّهام، فمعنى ذلك أنّه عاقبه على مجرّد التهمة.
و بالجملة، التعزير ليس أمراً عباديّاً تعبّديّاً محضاً شرّع لمصالح غيبيّة لا نعرفها، بل الغرض منه هو تأديب الفاعل و ردعه، و كذا تزجير و تهديد كلّ من رأى و سمع، فيصلح بذلك الفرد و المجتمع، و لأجل ذلك فوّض تعيين حدوده و مقداره إلى الحاكم الشرعيّ المشرف على المجتمع.
فلا إشكال حينئذٍ في تخويل الحاكم صلاحيّات خاصّة، لأنّ قوّة الحاكم و قدرته على إجراء العقوبة، حسب ما يقرّره الشرع الحنيف، تعدّ عاملًا فعّالًا في تحقيق المصالح التي لا تحصل إلّا بسيادة النظام الحكوميّ.
و لكنّ الشريعة لم تترك للحاكم الحرّيّة في تهديد التعزير على هذه الجرائم بما تشتهيه نفسه، بل أوجبت أن يكون التعزير بحسب ما يقتضيه حال الجماعة و تنظيمها و الدفاع عن مصالحها و نظامها العامّ، و أن لا يكون مخالفاً لنصوص الشريعة و مبادئها العامّة، حتّى لا يؤول الأمر بمن تسوّل له نفسه إلى التجاوز و الظلم و الاستبداد، و قد قصدت الشريعة من إعطاء الحكّام حقّ التشريع في جرائم التعزير، تمكينهم من تنظيم الجماعة و توجيهها التوجيهات الصحيحة، و تمكينهم من المحافظة على مصالح المجتمع و الدفاع عنها و معالجة الظروف الطارئة.
و لا يخفى أنّ هذه المسألة من مهمّات المسائل التعزيريّة في عصرنا الحاضر. و هي على الرغم من أهمّيّتها و لكن بحدود اطّلاعي لم أجد من الإماميّة من تعرّض لها بالبحث
[١]- راجع في ذلك: التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، ج ١، صص ١٥٠ و ١٥١.