وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٧٢
فـ «الناس» المقصودون في أحاديث عثمان الوضوئية ـ ولا ريب ـ هم أنفسهم أو هم امتداد للصحابة الكبار المعارضين لمنع التحديث والتدوين ، وهؤلاء هم الذين يرون أنّ الأحكام توقيفية لا يمكن تجاوزها بالزيادة والنقصان ، فلا مجال للاجتهاد والرأي فيها خصوصا مع وجود النص القرآني والسنة النبوية المباركة وصراحته ، لكنّ النهج الحاكم وبتأويلاتهم جعلوا المحكم متشابهاً ، والثابت من السنة مشكوكاً .
وستعلم لاحقاً أنّ أصحاب المدوّنات كانوا من أتباع وأنصار الوضوء الثنائي المسحي ، أو أنهم لم يكونوا من أنصار الوضوء الثلاثي الغسلي على الأقلّ ، وهذه مسألة تؤكّد الترابط بين المدونين ونهج التعبد في الوضوء من جهة ، وبين مانعي التدوين وخط الاجتهاد والرأي في الوضوء من جهة أخرى ، حتّى أن عبد الله بن عمر ـ وهو ممّن خالف اجتهادات عمر ـ كان لا يرى المسح على الخفّين ، لأنّه كان قد سمع الحديث عن رسول الله صلیاللهعلیهوآلهوسلم في أنّ المسح على الخفين غير جائز ، وأنّ الوضوء لا يعدّ وضوءا مع المسح على الخفين ، وأنّ سورة المائدة جاءت بالوضوء الذي يمسح فيه على القدمين لا على الخفين ، وهو وإن قيل عنه أنّه ما مات حتى وافق الناس ورجع إلى جواز المسح على الخفين ، إلّا أنّ المهم هو ثبوت كونه من مانعي المسح على الخفين في حياة أبيه ، فموقفه الوضوئي آن ذاك لا يمكن التغاضي عنه مع ما صدر منه من مواقف في الدفاع عن كثير من الأحكام الثابتة ، ووقوفه ضدّ اجتهادات أبيه[١٦٢] .
وهنا تتأكّد أصالة النهج الوضوئي وأحقّيّته ، ولا يهمنا بعد ذلك أن يكون ابن عمر رجع وقال بالمسح على الخفين أم لم يرجع ، وإن ذلك ليرجع إلى الظروف التي كان يعيشها ، إذ عرف عنه عدم استقراره في مواقفه السياسية ، لأنّه قد صار
[١٦٢] انظر منع تدوين الحديث، لنا: ٢٥٦ -