وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦١
المقارنة بين نفي عثمان لحمران اليهودي ولغيره من الصحابة
إِنّ المعهود عن عثمان أنّه كان ينفي خصومه إلى أماكن نائية ومرعبة ، وكان يقطع عطاءهم أو يحوّل دواوينهم إلى تلك الأماكن النائية .
فقد نفى أباذرّ الغفاري ـ بعد أن قطع عطاءه ـ إلى الربذة ، ومنع الناس من مشايعته إلى أطراف المدينة المنوّرة ، فلم يجرؤ أحدٌ على مشايعته إلّا أفراد معدودون مثل عليٍّ والحسن والحسين ٤ وعقيل وعبدالله بن جعفر وعمار ، فاعترض مروان ، وحصلت بينه وبين عليٍّ مشادّة .
والربذة أرض قاحلة على بُعْد مسيرة ثلاثة أيّام عن المدينة ، تقع على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة[٩٤٨] .
قال الواقدي : ثمّ إنّ عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أباذر ويكلّموه ، فمكث كذلك أياماً ، ثمّ أمر أن يؤتىٰ به فوقف بين يديه ، فقال أبوذر : ويحك يا عثمان ... أما إنّك لتبطش بي بطش جبار .
فقال عثمان : اخرج عنا من بلادنا .
فقال أبوذر : ما أبغضَ إِليّ جوارك ، فإلى أين أخرج؟
قال : حيثُ شئت . قال : أخرج إلى الشام أرض الجهاد ، قال : إنّما جلبتك من الشام ]وكان قد نفاه إليها أوّل مرة[٩٤٩][ لما قد أفسدتها ، أفأردّك إليها؟
[٩٤٧] انظر معجم البلدان ٣: ٢٤ - وفي معجم ما استعجم ٣: ٨٦٠ قال: وحمى الربذة غليظ الموطئ .
[٩٤٨] قال المسعودي في مروج الذهب ٢: ٣٣٩ ـ ٣٤٠ ومن ذلك ما فعل بأبي ذر، وهو أنّه حضر مجلسه ذات يوم فقال عثمان: أرأيتم من زكّى ماله، هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب الأحبار: لا يا أميرالمؤمنين، فدفع أبوذر في صدر كعب، وقال له: كذبتَ يابن اليهودي، ثم تلا لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولٰئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ، ]البقرة: ١٧٧ [فقال عثمان: أترون باساً أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبوذر العصا فدفع بها في صدر كعب، وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا، فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيِّب وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبوذر إلى الشام . فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أباذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس، معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف ... هذا هو النفي الأول إلى الشام ثم أعقبه النفي إلى الربذة .