بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧ - الجواب الأوّل أن الأحكام الظاهريّة لو كانت أحكاماً تكليفيّة لكان يلزم في المقام محذور اجتماع الضدّين أو المثلين
إذن لكان لهذا المدّعى صورة، بأن يُقال: إنّه لا تنافي إلّا بين حكمين تكليفيّين، لا بين حكم تكليفيّ و آخر وضعيّ، و ذلك لعدم السنخيّة بينهما.
لكنّ الصحيح- على ما يأتي و أشرنا إليه- أنّ التضادّ بين الأحكام ليس بلحاظ مرحلة عالم جعلها و اعتبارها؛ لأنّ هذه المرحلة لو خُلّيت و نفسها، فهي سهلة المئونة؛ إذ لا تضادّ بين اعتبار و اعتبار، و إنّما التضادّ بين الأحكام بلحاظ عالم المبادئ التي تكشف عنها الأحكام، من الملاكات و المصالح و المفاسد و الحبّ و البغض، ففي هذه العوالم يقع التنافي، و على هذا الأساس: فإنّ الحكم الظاهريّ- سواء صيغ بصياغة تكليفيّة، أو جُعِل حكماً وضعيّاً، و سواء أ كان هذا الحكم الوضعيّ بلسان جعل الطريقيّة أو المنجّزيّة- إمّا أن يكون له مبادئ قائمة بمتعلّقه، بمعنى: أنّه إن كان وجوباً فمصلحة و حبّاً، و هكذا بالنسبة لبقيّة الأحكام، و إن كان حرمةً فمفسدة و بغضاً، فإن كان هكذا، حينئذٍ، محذور اجتماع المثلين أو الضدّين بلحاظ المبادئ لازم لا مفرّ منه مهما اختلفت صياغة الحكم؛ لأنّ مركز التضادّ ليس هو مرحلة الحكم، بل عالم المبادئ، و التضادّ في المبادئ محفوظ، سواء كانت الصياغة تكليفيّة أو وضعيّة.
و أمّا إذا أنكرنا وجود مبادئ للحكم الظاهريّ في متعلّقه، و تصوّرنا بشكلٍ ما أنّ الحكم الظاهريّ يُجعل بلا أن يكون له مبادئ في متعلّقه، حينئذٍ، و بناءً على هذا، يرتفع التضادّ بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ، سواء جعلناه حكماً تكليفيّاً أو وضعيّاً؛ لأنّه على كلّ حال، مركز التضادّ إنّما هو عالم المبادئ، و في هذا العالم، ليس للحكم الظاهريّ مبادئ.
و بذلك يظهر: أنّ تحويل الحكم الظاهريّ من تكليفيّ إلى وضعيّ