تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٦ - سورة الأنبياء
فلم يذّكّروا، و أقاموا على كفرهم، فراغمهم و ظنّ أنّ ذلك سائغ، حيث لم يفعله إلاّ غضبا للّه و أنفة لدينه و بغضا للكفر و أهله؛ و قد كان الأولى به أن يصابر و ينتظر الإذن من اللّه-جلّ اسمه-فى مهاجرتهم. فابتلى ببطن الحوت. و معنى مغاضبته لقومه: أنّه أغضبهم بمفارقته، لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. و سأل معاوية ابن عبّاس: كيف يظنّ نبىّ اللّه أن لا يقدر عليه؟فقال: هو من القدر، لا من القدرة، يعنى: أن لن نضيّق [١] عليه، كما فى قوله: «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ» [٢] . و قيل [٣] : إنّه استفهام تقديره: أ «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» ؟فحذف الهمزة. و قيل: معناه: فظنّ أن لن نعمل [٤] فيه قدرتنا. «فِي اَلظُّلُمََاتِ» أي فى الظّلمة الشديدة فى البحر فى بطن الحوت. أي بأنّه «لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ» ؛ أو هو [٥] بمعنى أي [٦] . «إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ» أي من الّذين يقع منهم الظّلم. }و قرئ:
«نُنْجِي» و «ننجّى» و «نجّي» بنون واحدة و بتشديد الجيم، و النّون لا تدغم [٧] فى الجيم؛ و ربّما أخفيت فحذفت [٨] فى الكتابة و هى فى اللّفظ ثابتة، فظنّ الرّاوى ذلك إدغاما.
سأل اللّه-تعالى- «زَكَرِيََّا» [٩] أن يرزقه وارثا، و لا يدعه فردا بلا ولد، ثمّ ردّ الأمر إلى اللّه و استسلم فقال: «وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوََارِثِينَ» يعنى: إن لم ترزقنى ولدا يرثنى، فلا أبالى، فإنّك خير وارث [١٠] . } «وَ أَصْلَحْنََا لَهُ زَوْجَهُ» أي [١١] جعلناها صالحة لأن تلد بعد أن كانت عاقرا؛ و قيل معناه: جعلناها حسنة الخلق و كانت سيّئة الخلق. و قيل: رددنا
[١]ب (خ ل) : لا يضيّق. هـ: لن يضيق.
[٢]سورة الطّلاق، آية ٧.
[٣]هـ: -و قيل.
[٤]ب، ج: لم تعمل. د: لم نعمل.
[٥]الضّمير راجع إلى كلمة «أَنْ» في الآية.
[٦]ب: -اى.
[٧]ألف، هـ: لا يدغم.
[٨]ب: فحذف.
[٩]هو زكريّا بن آذن من ولد داود النّبىّ-عليه السّلام-من سبط يهوذا بن يعقوب. تزوّج زكريّا أشياع بنت عمران، أخت مريم بنت عمران. و كان يحيى و عيسى ابني خالة، و كان زكريّا نجّارا. أشاعت اليهود أنّه ركب من مريم الفاحشة، و قتلوه فى جوف شجرة: قطعوها و قطعوه معها (ابن قتيبة، المعارف، ص ٥٢) .
[١٠]ألف: الوارثين. (١١) ب: +و.