تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٠١ - سورة النور
«اَلْخَبِيثََاتُ» من الكلم تقال أو تعدّ «لِلْخَبِيثِينَ» من الرّجال و النّساء، «وَ اَلْخَبِيثُونَ» منهم يتعرّضون «لِلْخَبِيثََاتِ» من القول، و كذلك «اَلطَّيِّبََاتُ» و «اَلطَّيِّبُونَ» . و «أُولََئِكَ» إشارة إلى الطّيّبين و أنّهم «مُبَرَّؤُنَ مِمََّا» يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.
و يجوز أن يكون المراد بالخبيثات و الطّيّبات: النّساء، أي الخبائث يتزوّجن الخباث، و الخباث الخبائث. و كذلك [١] أهل الطّيب.
«حَتََّى تَسْتَأْنِسُوا» فيه وجهان: أحدهما أنّه من الاستيناس خلاف الاستيحاش، لأنّ الّذى يطرق باب غيره لا يدرى أ يؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش، لخفاء الحال عليه [٢] ، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتّى يؤذن لكم فهو كقوله: «لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاََّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» [٣] ، فوضع الاستيناس موضع الإذن، لأنّ الاستيناس يردف [٤] الإذن. و الثّاني أنّه استفعال من آنس [٥] الشّيء: إذا أبصره مكشوفا، و المعنى: حتّى تستعلموا و تستكشفوا الحال، هل يراد دخولكم أم لا؟و منه قولهم: استأنست فلم أر أحدا، أي استعلمت و تعرّفت؛ قال [٦] النّابغة [٧] :
... «على مستأنس وحد»
[٨] .
[١]ب، ج: فكذلك.
[٢]هـ: -عليه.
[٣]سورة الأحزاب، ٥٣.
[٤]ب: يرادف.
[٥]ب، ج، د، هـ: انس.
[٦]ب، ج: و منه قول.
[٧]النّابغة الذّبيانىّ: هو زياد بن معاوية بن ضباب الذّبيانىّ الغطفانىّ المضرىّ، أبو أمامة، شاعر جاهلىّ من الطبقة الأولى من أهل الحجاز كانت تضرب له قبّة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصده الشّعراء فتعرض عليه أشعار. و كان أبو عمرو بن العلاء يفضّله على سائر الشّعراء. شعره كثير، جمع بعضه فى ديوان. كان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تكلّف فى شعره و لا حشو (الزّركلى، الأعلام. ابن قتيبة، الشّعر و الشّعراء، ص ٩٢. القرشىّ، جمهرة أشعار العرب، ص ٢١٧) .
[٨]و تمام البيت:
«كأنّ رحلى و قد زال النّهار بنا # بذي الجليل على مستأنس وحد»
زال النّهار بنا: انتصف النّهار علينا. ذو الجليل: واد لبنى تميم ينبت الجليل و هو الثّمام و المستأنس:
النّاظر بعينه، و منه: «إِنِّي آنَسْتُ نََاراً» * (سورة طه، ١٠) أي أبصرت، يحيى بن علىّ، الخطيب التبريزىّ، شرح القصائد العشر، ص ٥١٧) .