تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣٤٨ - سورة السبأ
راكبة متن الطّريق، ظاهرة للسّابلة [١] . «وَ قَدَّرْنََا فِيهَا اَلسَّيْرَ» من القرية إلى القرية مقدارا واحدا [٢] ، كان الغادي منهم يقيل فى قرية، و الرّائح يبيت فى قرية، إلى أن يبلغ الشّام، لا يخاف جوعا و لا عطشا و لا عدوّا، و لا يحتاج إلى حمل زاد و لا ماء. «سِيرُوا» أي: و قلنا لهم: سيروا. و لا قول ثمّة [٣] ، لكن لمّا سهّلت لهم أسباب السّير فكأنّهم أمروا به. و المعنى:
سيروا إن شئتم باللّيل و إن شئتم بالنّهار، فإنّ الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات؛ أو «سيروا فيها ءامنين» : لا تخافون [٤] و إن تطاولت مدّة سفركم فيها، و امتدّت أيّاما و ليالى.
«فَقََالُوا رَبَّنََا بََاعِدْ» و بعّد على الدّعاء، بطروا النّعمة و ملّوا العافية [٥] ، فطلبوا الكدّ و التّعب.
٥- و قرئ: ربُّنا باعَدَ [٦] بين أسفارنا ؛ و هو قراءة الباقر-عليه السّلام. و ربُّنا مبتدأ. و المعنى:
خلاف الأوّل، و هو أنّهم استبعدوا مسائرهم على قصرها، لفرط تنعّمهم، «فَجَعَلْنََاهُمْ أَحََادِيثَ» يتحدّث النّاس بهم، و فرّقناهم تفريقا، اتّخذه النّاس مثلا مضروبا، يقولون:
ذهبوا أيدى سبا، و تفرّقوا أيادى سبا. قال كثيّر [٧] :
أيادى سبا يا عزّ ما كنت بعدكم # فلم يحل بالعينين بعدك منظر [٨] .
[١]ب: للسّائلة.
[٢]د، هـ: مقدار واحد.
[٣]الف، ج: ثمّ.
[٤]الف، ب، ج: يخافون.
[٥]يجوز أن يكون «ملّو» من الملل (المضاعف) اى سئموها و ضجروها، و يجوز أن يكون من ملّى (الناقص) اى تمتعوا بها طويلا.
[٦]د: بعّد. لكنّه خلاف صريح المجمع.
[٧]ابو صخر، كثيّر بن عبد الرّحمن بن الأسود، الخزاعىّ شاعر مشهور من أهل المدينة، اختصّ بعبد الملك بن مروان و غيره من بنى مروان كان مفرط القصر دميما، فى نفسه شمم و ترفّع، قيل:
لا يقدّمون عليه أحدا و ينسبون إليه القول بالتّناسخ. أخباره مع عزّة كثيرة لكنّه عفيف فى حبّه. توفّى بالمدينة سنة ١٠٥ (الأعلام للزّركلّى) .
[٨] «أيادى سبا» جار مجرى المثل، فى أنّه يستعمل بهذا الشّكل للمفرد و المثنّى و المجموع و غيرها من الوجوه المختلفة، أي متفرّقين كتفرّق أيادى سبا أي أولاده و قومه، و عزّ مرخّم عزّة، و «ما» نافية، و قيل: إنّه ظرفيّة بمعنى مادام، و خبر «كنت» محذوف، أي باقيا أو متعيّشا، و «يحل» بضمّ اللاّم أو فتحها، أي لم يكن بعدك منظر يحيى حلوا. ينادى الشّاعر عزّة، داعيا على نفسه بالتّفرّق كنفرّق أولاد سبا، و أن لا يكون بعدهم باقيا (أو مادام يكون باقيا) ، فلم يكن بعدها بعينيه منظر حلوا (شرح شواهد الكشّاف للأفندى، و جامع الشّواهد لملاّ محمّد باقر الشريف) .