تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨٢ - سورة المؤمنون
مخبور علانيته و سرّه، صالح لأن يصطفى للرّسالة، جدير به [١] ، لأنّه لم يعهد منه إلاّ الصّدق و وفور العقل و الشّهامة و الأمانة، حتّى يدّعى [٢] النّبوّة بباطل؛ }و لم يجعل ذلك ذريعة إلى استعطاء أموالهم، و لم يدعهم إلاّ إلى الصّراط السّوىّ الّذى هو دين الإسلام.
هذا مع إبراز المكنون من أدوائهم، و هو إخلالهم بالتّدبّر و شعفهم بتقليد الآباء [٣] الضّلاّل من غير برهان، و تعلّلهم بأنّه مجنون، بعد ثبات تصديقه من اللّه بالمعجزات و الدّلالات، و إعراضهم عمّا فيه حظّهم من الذّكر و الشّرف. } «ناكبون» أي عادلون عن الصّراط المذكور. و لمّا أسلم ثمامة بن أثال الحنفىّ [٤] ، و لحق باليمامة و منع الميرة من أهل مكّة، و أخذهم اللّه بالسّنين [٥] حتّى أكلوا العلهز [٦] ، و هو دم القراد [٧] مع الصّوف، جاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-فقال له: أنشدك باللّه و الرّحم: أ لست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين؟فقال: بلى. فقال: قتلت الآباء بالسّيف و الأبناء بالجوع.
و المعنى: لو كشف اللّه عنهم هذا الضّرّ و هو الهزال و القحط الّذى أصابهم برحمته
[١]هكذا فى جميع النّسخ و عليه فالضّمير فى «به» يرجع إلى المصدر المستفاد من قوله: «أن يصطفى» كما فى قوله-تعالى-: «اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوىََ» اى: العدل.
[٢]هـ: يدع.
[٣]ب، ج: اباء.
[٤]هو: ثمامة بن أثال بن النّعمان اليمامىّ، من بنى حنيفة، أبو أمامة، صحابىّ، كان سيّد أهل اليمامة، له شعر.
و لمّا ارتدّ أهل اليمامة فى فتنة «مسيلمة» ، ثبت هو على إسلامه، و لحق بالعلاء الحضرمىّ فى جمع ممّن ثبت معه. فقاتل المرتدّين من أهل البحرين، و قتل بعيد ذلك (١٢ هـ) (الزّركلى، الأعلام.
ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص ٣١٣. و الطّبرى، التاريخ، ج ٤/١٧٩٨، ١٩١٠، ١٩٧٤) .
[٥]السّنة مطلقة: السّنة المجدبة، و جمعها: سنون (ابن سيدة، المحكم، ج ٤/١٥٧) .
[٦]قال الجاحظ: «و كانوا إذا خافوا الجدب و الأزمة تقدّموا (لعلّه: أقدموا) فى عمل العلهز. و العلهز: قردان تعالج بدم الفصد مع شىء من وبر، فيدّخرون ذلك كما يدّخر من خاف الحصار: الأكارع و الجاورس» (الحيوان، ج ٥/٤٤٢) . و الأكارع: جمع كراع، و هو مستدقّ السّاق. و الجاورس، معرّب «گاورس» الفارسيّة: حبّ الدّخن.
[٧]القراد، الواحدة قرادة، جمعه قردان: دويبة تتعلّق بالبعير و نحوه، و هى كالقمّل للإنسان (الحيوان للجاحظ، ج ٥/٤٣٨) .