تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٣٨ - سورة العنكبوت
بالفرائض الّتى افترضت عليهم، أو بالشّدائد و المحن. و جاء فى الحديث : «قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه؛ و يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم و عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه» .
«فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ» بالامتحان «اَلَّذِينَ صَدَقُوا» فى الإيمان «وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ» فيه. و لم يزل-عزّ و علا- [١] عالما بذلك و لكنّه لا يعلمه موجودا إلاّ إذا وجد [٢] ، و المعنى: و ليميزنّ [٣] الصّادق من الكاذب. ١- و رووا عن علىّ-عليه السّلام -: «فليُعلِمنّ ، و ليُعْلِمَنّ [٤] » من الإعلام ، أي: و ليعرّفنّهم اللّه النّاس: من هم؛ أو ليسمنّهم [٥] بسمة يعرفون بها من بياض الوجوه و سوادها. ١- و روى أنّ العبّاس جاء إلى علىّ-عليه السّلام-فقال له: امش حتّى يبايع لك النّاس، فقال [٦] : أ تراهم فاعلين؟قال: نعم. قال: فأين قول اللّه-عزّ و جلّ- [٧] : «الم `أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ» الآيات؟.
«أَنْ يَسْبِقُونََا» أي: يفوتونا، يعنى: أنّ الجزاء يلحقهم؛ مثل قوله: «وَ مََا هُمْ بِمُعْجِزِينَ» [٨] . و «أَمْ» منقطعة، و معنى الإضراب فيها أنّ هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأوّل، لأنّ ذلك يقدّر أنّه لا يمتحن لإيمانه، و هذا يظنّ أنّه لا يجازى بكفره و عصيانه.
«سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ» أي: بئس الّذى يحكمونه حكمهم هذا، أو بئس حكما يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص بالذّمّ. } «لِقََاءَ اَللََّهِ» مثل للوصول إلى العاقبة من لقاء
[١]د: عزّ و جلّ.
[٢]تبع فى ذلك الزّمخشرىّ و محصوله أنّ للّه-تعالى-علمين: قديم و حادث، فالقديم علمه بالشّيء قبل وجوده و الحادث علمه به بعد الوجود، فإنّه يحدث بعد وجوده. لكنّه ليس بصحيح، فإنّه ليس له- تعالى-الاّ علما واحدا يثبت له قبل وجود الشّيء و بعده، و لعلّ مراده ما اصطلحوا عليه من العلم الفعلىّ الّذى هو نفس وجود الشّيء لا العلم الذّاتىّ الّذى هو عين ذاته المقدّسة. و لعلّ مراده-تعالى-من علمه بالصّادقين و بالكاذبين-كما فى بعض التفاسير-ظهور آثار صدقهم و كذبهم فى مقام العمل بسبب الفتنة. و هو-تعالى-أعلم بمراده.
[٣]النّسخ: ليميّزنّ (بالتشديد) و الكشاف: ليتميزن.
[٤]د: -و ليعلمنّ.
[٥]ب، ج: ليسمّتهم.
[٦]ألف: قال.
[٧]ألف، د، هـ: تعالى.
[٨]سورة الزّمر، ٥١.